المقدمة
في كثير من الأحيان تمر بالإنسان لحظات ضعف وانكسار يدعو الله بالفرج وينتظر.
يتساءل في نفسه: أين الفرج؟
ومع ذلك… يمرّ الوقت ولا شيء يتغيّر، فيظنّ أن دعاءه ضاع، وأن الله لا يحبه.
ألم يقل الله ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]؟
لكن الحقيقة أعمق من ذلك بكثير…
فالفرج لا يتأخر عبثًا، وإنما يتأخر لحكمةٍ يعلمها الله وحده.
ربّما لو جاء سريعًا، ما تعلّم القلب الصبر، ولا ذاق لذة الرضا، ولا شعر بحلاوة اللجوء إلى الله.
وربّما كان في التأخير حماية من بلاءٍ أكبر، أو تهيئة لنفسٍ أقوى، أو إعدادٌ لفرحٍ لا يشبه أي فرح.
إن سُنّة الله في عباده أن يُربّيهم بالابتلاء قبل أن يمنحهم العطاء،
وأن يجعل لكل فرجٍ موعدًا لا يتقدّم ولا يتأخّر، لأنه سبحانه الأعلم بموضع الخير ووقته.
فحين يتأخر الفرج، لا يعني أن الله ينساك، بل يعني أنه يُعدّك لاستقباله على الوجه الأكمل.

🌸 التأخير ليس نسيانًا… بل إعدادًا
قد يشعر الإنسان أن تأخر الإجابة نوعٌ من عدم حب الله له ، لكنه في الحقيقة رحمةٌ مخفية.
قال تعالى:
﴿وَعَسَىٰ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216]
فهناك أقدار تُؤخّر لأنها لو وقعت في غير أوانها لكانت ضررًا لا نفعًا.
تأمل يوسف عليه السلام، كم سنة مكث في السجن ظلمًا، ومع ذلك لم يكن ذلك التأخير إلا طريقًا إلى التمكين.
قال تعالى:
﴿فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ﴾ [يوسف: 42]
ثم جاءت اللحظة التي قال فيها الملك:
﴿ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي﴾ [يوسف: 54]
هكذا يُظهر الله أن كل تأخيرٍ وراءه إعدادٌ لحكمةٍ أكبر، وأن الفرج يأتي حين تتهيأ النفوس لاستقباله.
بين الدعاء والاستجابة… هناك تربية روحية
قال النبي ﷺ:
“يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي.”
📚 [رواه البخاري (6340) ومسلم (2735)]
فقد يكون التأخير ابتلاءً في الصبر، ليرى الله صدق اللجوء إليه.
العبد الذي يدعو في الرخاء والشدّة، ويرضى في المنع كما يرضى في العطاء، هو الذي عرف معنى العبودية الحقة.
إن الله يحب أن يسمع صوت عبده، فربّ دعاءٍ أطال الله مدّته ليبقى العبد قريبًا من بابه.
فلو أُعطي كل سائلٍ مراده من أول نداء، لانقطع الدعاء وانطفأت حرارة الإيمان في القلوب.
سُنّة الابتلاء قبل الفرج
قال تعالى:
﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ ۖ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 214]
إنها سُنّة الله أن يسبق الفرج ابتلاء، وأن يأتي النور بعد العتمة.
فما من نبيٍ إلا وابتُلي قبل أن يُنصَر، وما من عبدٍ صدق في دعائه إلا وامتحنه الله ليرى ثباته.
قال تعالى:
﴿إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6]
ولم يقل “بعد العسر” بل قال “مع العسر”، أي أن الفرج يولد من رحم الشدّة.
عندما تتأخر الأقدار
في سيرة النبي ﷺ نجد أن تأخر النصر في بعض الغزوات لم يكن خذلانًا، بل تربية للأمة.
في غزوة أُحد مثلاً، حين أصاب المسلمين ما أصابهم، قال الله تعالى:
﴿وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ [آل عمران: 140]
فما يبدو خسارة في ظاهر الأمر، هو في ميزان الله رفعةٌ وتمييز.
💫 حين يطمئن القلب لحكمة الله
حين تؤمن أن تأخر الفرج لا يعني الحرمان، تهدأ نفسك وتطمئن روحك.
فالله وعد، ووعده حق:
﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا﴾ [الطلاق: 7]
القلوب المؤمنة تعلم أن الله لا ينسى عبدًا لجأ إليه، ولا يؤخر إلا لحكمةٍ خفيّة.
فإذا تأخر عنك المراد، فاعلم أنك بين يدي ربٍ كريمٍ يُمهّد لك الأفضل في الوقت الأنسب.
🌹 الخاتمة: الفرج أقرب مما تظن
تأخر الفرج لا يعني أنه لن يأتي، بل يعني أن الله يختار لك أجمل الأوقات ليأتيك به.
فكما أن المطر لا ينزل إلا حين تتهيأ له السماء، كذلك رحمة الله لا تنزل إلا حين تتهيأ لها القلوب.
قال ﷺ:
“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.”
📚 [رواه أحمد (2803) وصححه الألباني]
فاصبر، واثبت، وتيقّن أن ما بينك وبين الفرج إلا لحظة قدرٍ كتبها الله في علمه الأزلي، وستأتي حين يشاء،
فهو القائل سبحانه:
﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾ [الطلاق: 3]
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





