لِمَاذا بُعِثَ النَّبي ﷺ في جَزِيرَة العرب؟

الحلقة الثالثة

اقتضت حكمة الله أن تطلع شمس الإسلام التي تبدد الظلام وتملأ الدنيا نورا وهداية من أشدّ الأماكن ظلمة، فجعل الدعوة تبدأ بين العرب لينقلوها إلى العالم، وذلك لصفات فيهم ميّزتهم عن غيرهم منها :

  • -أنهم أصحاب فطرة سليمة وإرادة قوية، إذا ظهر لهم الحق أحبّوه وضحّوا من أجله، ومثال ذلك ما فعله سهيل بن عمرو قبل إسلامه وهو خَطيبُ قُرَيشٍ، وفَصِيحُهُم، ومن أشْرَافِهِمْ فحِينَ سَمعَ مَا جَاءَ في كِتَابِ الصُّلْح في الحُدَيْبِيَة: “هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ رسُولُ اللَّهِ ﷺ”، فقالَ سُهَيلُ بنُ عَمْرٍو -رضي اللَّه عنه-: واللَّهِ لَوْ كُنَّا نَعْلَمُ أنَّكَ رَسولُ اللَّهِ، مَا صَدَدْنَاكَ عَنِ البَيْتِ ولَا قَاتلْنَاكَ. ولمَّا أسْلَمَ -رضي اللَّه عنه- كَانَ كَثِيرَ الصَّلاةِ والصَّوْمِ والصَّدَقَةِ، وَكَانَ كَثِيرَ البُكَاءَ إذَا سَمعَ القُرْآنَ -رضي اللَّه عنه- وأرْضَاهُ، وَكَانَ يَقُولُ: واللَّهِ لا أدَعُ مَوْقِفًا مَعَ المُشْرِكِينَ إلَّا وَقَفْتُ مَعَ المُسْلِمِينَ مِثْلَهُ، ولا نَفَقَةً أنْفَقْتُهَا مَعَ المُشْرِكِينَ إلَّا أنْفَقْتُ عَلَى المُسْلِمِينَ مِثْلَهَا..
  • -ومنها أن قلوبهم كانت صافية لم تُثقلها فلسفات مثل الأمم الأخرى كالفرس والروم وأهل الهند الذين كانوا يزهون بعلومهم وآدابهم فكانت عندهم عقد نفسية وفكرية لم يكن من السهل حلها أما العرب فكانوا على طبيعتهم البسيطة ، فكان من السهل إزالة ما فيها من جهل وغرس الحق مكانه.
  • -ومنها أنهم امتازوا بالصراحة والجدّ والصدق وكانوا أصحاب صراحة وصرامة لا يخدعون غيرهم ولا أنفسهم ، وظهر ذلك لمَّا اجْتَمَعَتِ الأوْسُ والخَزْرَجُ في العَقَبَةِ، لِيبايِعُوا رَسُول اللَّهِ ﷺ قَالَ العَبَّاسُ بنُ عُبَادَةَ-رضي اللَّه عنه-: يا مَعْشَرَ الخَزْرَجِ، هلْ تَدْرُونَ عَلَامَ تُبايِعُونَ هذَا الرَّجُلَ؟قَالُوا: نَعَمْ قَالَ: إنَّكُمْ تُبايُعَونَهُ عَلَى حَرْبِ الأحْمَرِ والأسْوَدِ مِنَ النَّاسِ.. . . قَالُوا: فَمَا لَنَا بِذَلِكَ يا رَسُولَ اللَّهِ إنْ نَحْنُ وَفَيْنَا؟قَالَ ﷺ: “الجَنَّةُ” .قَالُوا: ابْسُطْ يَدَكَ، فَبَسَط يَدَهُ -صلى اللَّه عليه وسلم- فبَايَعُوهُ..وقَدْ صَدَقُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ما عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ.فكَانُوا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ صَادِقِينَ مِنَ اللَّحْظَةِ الأوُلَى، وقَدْ تَجَلَّى هَذَا الصِّدْقُ في العَزْمِ، والجِدِّ في العَمَلِ، ورُوحِ الامْتِثَالِ لِلْحَق
  • – ومِنْهَا أَنَّ العَرَبَ كَانُوا أَصْحَابَ صِدْقٍ وأمَانَةٍ وشَجَاعَةٍ، لَيْسَ النِّفَاقُ والمُؤَامَرَةُ مِنْ طَبِيعَتِهِمْ، وهَذَا أمْرٌ لا يُنْكِرُهُ أَحَدٌ فَقَدْ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّه عَلَيْهِ وبَذَلُوا الغَالِيَ والنَّفِيسَ في سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
  • -ومنها أنهم كانوا أهل حرب وفروسية وصلابة، وهي صفات مهمة في عصرٍ كان يموج بالصراعات والحروب.
  • -ومنها أنهم أحبّوا الحرية وعاشوا ببساطة وعزّة نفس.وأنهم امتلكوا طاقات فطرية لم تُستنزف بعد، فكان فيهم الحماس والعزيمة لنشر الرسالة.

وكانَتْ هَذِهِ الفَتْرَةُ التِي بُعِثَ فِيهَا مُحَمَّدٌ مِنْ أَشَدِّ الفَترَاتِ التِي مرَّتْ بِهَا الجَزِيرَةُ العَرَبِيَّةُ ظُلْمَةً وانْحِطَاطًا، وانتشر فيها الشرك حتى ظنّ الناس ألا حق غير عبادة الأوثان، فجاء ﷺ بالقرآن فرقانًا يميّز الحق من الباطل، فاهتدى من شاء اللهٌ له الهداية.

يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ} سورة آل عمران آية (١٦٤)
وقَالَ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ}سورة الجمعة آية (٢)

في الحلقة القادمة سنتعرف على نسبه الشريف وأسرته ﷺ فتابعونا بارك الله فيكم..