الحلقة السادسة
نَذْرُ عَبْدِ المُطَّلِبِ ذَبْحَ أحَدِ أَوْلادِهِ
رَأَيْنَا مَا لَقِيَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ مِنْ قُرَيْشٍ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يحْفِرَ بِئْرَ زَمْزَمَ، أحَسَّ بالضَّعْفِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَصِيرٌ عَلَيْهِمْ، ولَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا ابْنُهُ الحَارِثُ، فَنَذَرَ للَّهِ تَعَالَى لَئِنْ وُلِدَ لَهُ عَشَرَةُ بَنِينَ، ثُمَّ بَلَغُوا مَعَهُ حتَّى يَمْنَعُوهُ لَيَنْحَرَنَّ أحَدَهُمْ عِنْدَ الكَعْبَةِ. ورزقه الله عشرة أبناء ذكور غير الإناث وهم الحَارِثُ، والزُّبَيْرُ، وأبو طالب، وعبد الله ، و حَمْزَةُ، و أَبُو لَهَبٍ، وحَجَلٌ، والمُقَوَّمُ، وضِرَار، والعباس ،،،، وأما البنات فست وهن : أم الحكيم ـ وهي البيضاء ـ وبَرَّة، وعاتكة، وصفية، وأرْوَى، وأميمة.
فلَمَّا بَلَغَ بَنُو عَبْدِ المُطَّلِبِ عَشَرَةً، وعَرَفَ أنَّهُمْ سَيَمْنَعُونَهُ جَمَعَهُمْ ثُمَّ أخْبَرَهُمْ بِنَذْرِهِ، ودَعَاهُمْ إِلَى الوَفَاءِ بالنَّذْرِ فَأَطَاعُوهُ، وقَالُوا: كَيْفَ نَصْنَعُ؟ قَالَ: لِيَأْخُذْ كُلُّ رَجُلٍ مِنْكُمْ قَدَحًا -“الأقْدَاحُ: هي الأزْلَامُ التي كانت في الجاهلية عليها مكتوبٌ الأمرُ والنهيُ، افعل، ولا تفعل كان الرجل منهم يضعها في وعاء وإذا أراد فعل شيء أدخل يده في الوعاء فإن خرج بنعم فعل الأمر وإن خرج بلا لم يفعله “- ثُمَّ يَكْتُبَ فِيهِ اسْمَهُ ثُمَّ ائْتُونِي، فَفَعَلُوا ثُمَّ أتَوْهُ، واقترعوا فوقعت على عبد الله وكان أحب أبناء عبد المطلب إليه وحين همّ عبد المطلب بتنفيذ النذر، اعترضته قريش وخاصةً أخوال عبد الله من بني مخزوم فقال لهم كيف أصنع بنذري فأشاروا إليه أن يذهب إلى عرافة بالحجاز ليسألها فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهَا شَرَحَ لَهَا تَفَاصِيلَ القِصَّةِ، فَقَالَتْ: كَمِ الدِّيَةُ فِيكُمْ؟ قَالُوا: عَشَرَةٌ مِنَ الإِبِلِ، قَالَتْ: اضْرِبُوا القِدَاحَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، وعَلَى عَشْرٍ مِنَ الإِبِلِ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ فَزِيدُوهَا عَشْرًا حتَّى يَرْضَى رَبُّهُ، فَإِنْ خَرَجَتْ عَلَى الإِبِلِ فَانْحَرُوهَا عَنْهُ.

* فِدَاءُ عَبْدِ اللَّهِ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ:
فَلَمَّا رَجَعُوا قَرَّبُوا عَبْدَ اللَّهِ، وعَشْرًا مِنَ الإِبِلِ فَخَرَجَ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَزَادُوا عَشْرًا، فَخَرَجَتْ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ، فَلَمْ يَزَلْ يَزِيدُ مِنَ الإِبِلِ عَشْرًا عَشْرًا، ولَا تَقَعُ القُرْعَةُ إلَّا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ إِلَى أَنْ بَلَغَتِ الإِبِلُ مِائَةً فَوَقَعَتِ القُرْعَةُ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ قُرَيْشٌ: لَقَدْ رَضِيَ رَبُّكَ يا عَبْدَ المُطَّلِبِ، ثُمَّ نُحِرَت وتُرِكَتْ لَا يُصَدُّ عَنْهَا إنْسَانٌ، ولَا طَيْرٌ ولَا سَبُعٌ. وكانت الدية في قريش وفي العرب عشرًا من الإبل، فجرت بعد هذه الوقعة مائة من الإبل، وأقرها الإسلام بعد ذلك.
زَوَاجُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
ولَمَّا بَلَغَ عَبْدُ اللَّهِ خَمْسًا وعِشْرِينَ سَنَةً، وكَانَ شَابًّا نَسِيبًا جَمِيلًا، وَسِيمًا، قَوِيَّ البُنْيَانِ أَرَادَ أبُوهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ أَنْ يُزَوِّجَهُ، فَزَوَّجَهُ آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبِ بنِ عَبْدِ مَنَافِ، بنِ زُهْرَةَ، بنِ كِلَابِ، بنِ مُرَّةَ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ أفْضَلُ امْرَأَةٍ في قُرَيْشٍ نَسَبًا وَمَوْضِعًا ، وأبُوهَا سَيِّدُ بَنِي زُهْرَةَ نَسَبًا وشَرَفًا، وتزوجها عَبْدُ اللَّهِ في مَكَّةَ .
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: فكَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ أوْسَطَ قَوْمِهِ نَسَبًا، وأعْظَمَهُمْ شَرَفًا مِنْ ناحية أبِيهِ وأُمِّهِ .
* وفَاةُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
خرج عبد الله بعد زواجه في رحلة تجارة إلى الشام، وفي طريق عودتهم مرّوا بالمدينة وكان عبد الله مريضًا، فأقام عند أخواله من بني عدي بن النجار شهرا مريضا ثم توفي وكان عبد المطلب قد أرسل ابنه الحارث ليطمئن على عبد الله فلما وصل وجده قد مات ودُفن. رجع أخوه الحارث إلى مكة بالخبر، فحزن عليه والده عبد المطلب حزنًا شديدًا.
* وُلِدَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ يَتِيمَ الأَبِ:
ولَمَّا تُوُفِّيَ عَبْدُ اللَّهِ وَالِدُ الرَّسُولِ ﷺ، كَانَ رسُولُ اللَّهِ ﷺ حَمْلًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ، ابنَ شَهْرَيْنِ، وتوفي عبد الله بن عبد المطلب عن عمر خمسٍ وعشرين سنة، وترك ميراثا يسيرًا: خمْسَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَقِطْعَةَ غَنَمٍ، وَجَارِيَةً حَبَشِيَّةً اسْمُهَا: “بَرَكَةُ” وَهِيَ أُمُّ أَيْمَنَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
وهكذا وُلد النبي ﷺ يتيم الأب، لكنه نشأ في بيتٍ عُرف بالشرف وسموّ النسب بين قومه.




