مقدمة
الحزن شعور فطري يمرّ به كل إنسان، فقد حزن الأنبياء والصالحون، وبكوا وتألموا، ولكنهم لم يسمحوا للحزن أن يطفئ نور اليقين في قلوبهم.
فالمؤمن حين يُصاب بمكروه، لا ييأس ولا يجزع، بل يلجأ إلى ربه شاكرًا صابرًا، عالمًا أن ما أصابه لم يكن ليُخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه.
قال الله تعالى:
﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]
هذه الآية تضع للمؤمن ميزانًا عظيمًا في الحياة، فلا ينهار أمام الفقد، ولا يغترّ بالعطاء، لأن قلبه معلّق برضوان الله لا بزينة الدنيا.
هدي النبي ﷺ في مواجهة الحزن
كان رسول الله ﷺ أرحم الناس وأرقّهم قلبًا، ومع ذلك مرّ بأحزان عظيمة:
فقد ماتت زوجته خديجة رضي الله عنها، وعمه أبو طالب، وتوفي أولاده في حياته، ومع ذلك كان يقول في مواقف الفقد:
«إن العين لتدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»
بهذا التعليم النبوي علّمنا ﷺ أن الحزن لا ينافي الإيمان، لكنّ الجزع واليأس هما ما ينافيان الرضا بقضاء الله.
الرضا بالقضاء… دواء القلوب
الرضا هو سرّ السعادة وطمأنينة النفس، وهو أعلى مراتب الصبر.
قال ابن القيم رحمه الله:
“من رضي بالله ربًا، رضي بقضائه وقدَره، فامتلأ قلبه نورًا وسكينة.”
المؤمن يعلم أن كل ما يقدّره الله فيه خير، حتى لو لم يفهم حكمته في الحال.
قال ﷺ:
«عجبًا لأمر المؤمن! إن أمره كله له خير…»
فهذا الرضا يجعل القلب ساكنًا مطمئنًا مهما تغيّرت الأحوال.

كيف يُذهب الله الحزن عن قلوب عباده
الحزن لا يُزال بالقوة، بل بالإيمان والتسليم لله.
وقد بشّر الله عباده في القرآن فقال:
﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]
ففي الجنة، يطهّر الله قلوب المؤمنين من كل غلّ وحزن، فلا خوف ولا دموع بعد اليوم.
أما في الدنيا، فدواء الحزن يكون في:
الاستعانة بالله والدعاء:
قال النبي ﷺ في دعاء الكرب:
«اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ناصيتي بيدك… أسألك بكل اسم هو لك… أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني»
ذكر الله:
فالقلوب لا تجد الطمأنينة إلا بذكره.
قال تعالى:
﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]
التأمل في نعم الله:
فالنظر في النعم يُنسي المصائب ويُذكّر برحمة الله الواسعة.
تذكّر الآخرة:
الدنيا قصيرة، والأحزان مهما طالت ستنتهي، أما الفرح الأبدي فهو في الجنة.
قال تعالى:
﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ﴾ [الحجر: 48]
من أسباب ذهاب الحزن: الإحسان إلى الناس”
من أعظم ما يُذهب الحزن عن النفس أن تزرع الفرح في قلوب الآخرين.
قال النبي ﷺ:
«أحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تُدخله على مسلم»
حين تُعين محتاجًا أو تبتسم في وجه حزين، فإن الله يرد إليك هذا السرور أضعافًا في قلبك.
فالإحسان دواء روحي، يطهّر القلب من الهمّ، ويبدّله بسكينة لا يعرفها إلا من ذاقها.
بين الحزن المذموم والحزن المحمود
الحزن المحمود: هو الذي يُقرّبك من الله، ويدفعك للتوبة والرجوع إليه.
أما الحزن المذموم: فهو الذي يُقعدك عن العبادة ويُضعف يقينك ويُنسيك نعمة الله.
ولهذا كان النبي ﷺ يستعيذ من الحزن، فيقول:
«اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل»
تذكر أن الحزن لا يدوم
الحزن مهما اشتدّ لا يبقى، فالله يُبدّل بعد العسر يسرًا.
قال تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 6]
هذه الآية وحدها كفيلة بأن تُنير ليل المهمومين، وتمنحهم الأمل في غدٍ قريب يحمل الفرج.
قال ابن كثير: “لن يغلب عسرٌ يُسرين” أي أن الله يُضاعف للمؤمن منافذ الفرج مقابل ما يراه من ضيق.
🌷 الجنة… الموطن الذي يزول فيه كل ألم
حين يتعب قلب المؤمن ويضيق صدره، فليتذكّر الجنة، دار الخلود والسرور التي لا يدخلها حزن.
﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ [فاطر: 34]
تأمّل هذه الآية… كأنها جواب لكل قلب موجوع في الدنيا، فمهما ضاق بك الطريق اليوم، فهناك يوم يقول فيه المؤمن بفرح:
“ذهب الحزن، وجاء النعيم المقيم.”
خلاصة القول
الحزن لا يُذمّ في ذاته، لكن لا ينبغي أن يستولي على القلب حتى يبعده عن الله.
فالمؤمن يعلم أن طريق الجنة مفروش بالابتلاءات، وأن الرضا عن الله في كل حال هو باب السعادة الدائمة.
فإذا حزنت فاذكر أن لك ربًّا رحيمًا، وأن في الجنة لقاءً بلا حزن، وفرحًا بلا نهاية.
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





