تأملات في قوله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ (الشرح: 6)
في لحظات الضيق التي يثقل فيها القلب، وتضيق فيها الدنيا على صاحبها، تأتي هذه الآية كنسمة رحمةٍ من السماء، تحمل وعدًا صادقًا من الله:
أن كل عسرٍ في حياتك مهما اشتدَّ، لا بد أن يصاحبه يسرٌ يبدِّده ويُنسيك مرارته.
لم يقل الله: بعد العسر يسرًا، بل قال: “مع العسر” — أي أن اليسر يسير بجوار العسر، يولد معه، وينمو في ظله، لكننا لا نراه إلا حين يُكتب له أن يظهر.
هذه الآية القصيرة من سورة الشرح تكررت مرتين لتؤكد المعنى وتثبّته في القلوب:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا، إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾
قال العلماء: لن يغلب عسرٌ واحد يُسرين.
ما من قلب ضاق إلا وسعته رحمة الله، وما من ليل طال إلا وتبعه فجر جديد.
هذه الآية ليست مجرد وعد، بل تذكير دائم بأن الله معك في كل خطوة من طريقك، حتى في ظلال الألم.

معنى يتجاوز الكلمات
تأمل دقة التعبير الإلهي:
“فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا”
لم يقل الله: بعد العسر يسرًا، بل قال: “مع” — أي أن الفرج لا ينتظر انتهاء العسر، بل يرافقه في خفاء.
قد يكون اليسر في الطاقة التي منحك الله إياها لتتحمّل، أو في شخصٍ أرسله الله ليواسيك، أو في بابٍ جديد فُتح بعد إغلاقٍ مؤلم.
اليسر ليس دائمًا مالًا أو فرجًا ماديًا، أحيانًا يكون نورًا في القلب يجعل العسر نفسه طريقًا إلى الله.
بين المعنى اللغوي والرسالة النفسية
في اللغة العربية، كلمة “العُسر” معرفة بـ “أل”، أي عسر محدد وواضح،
بينما كلمة “يُسرًا” نُكِّرت لتدل على تعدد اليسر وتنوعه.
أي أن مع كل محنة، هناك أكثر من وجهٍ للفرج، وإن خفي أحدها ظهر الآخر.
لا تحزن إن تأخر الفرج، فربّك وعد باليسر، ووعده حق.
فحين يشتد الحزن، لا تبحث عن الفرج بعيدًا، بل انظر في داخلك، فهناك قوة أودعها الله في قلبك لتنهض من جديد.
تذكر أن الله لا يبتليك ليعذبك، بل ليرفعك، ويطهّرك، ويقرّبك إليه أكثر مما كنت.
من نور السنة
قال رسول الله ﷺ:
“واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا.”
(رواه الترمذي)
تأمل كيف جمع النبي ﷺ بين الصبر والفرج، وكأنها دورة حياةٍ متكاملة
سلسلة لا تنكسر، لأنها وعدٌ من ربٍّ لا يُخلف وعده.
يقول ابن القيم رحمه الله:
“لو فُتح للعبد باب الفهم عن الله في قوله: فإن مع العسر يسرا، لرأى العسر يتلاشى في نوره.”
من أقوال السلف الصالح
مما يروى عن الشافعي رضي الله عنه ، أنه قال :
صبرا جميلا ما أقرب الفرجا من راقب الله في الأمور نجا
من صدق الله لم ينله أذى ومن رجاه يكون حيث رجا.
وكان يقول أيضا:
ولرب نازلة يضيق بها الفتى ذرعا وعند الله منها المخرج
كملت فلما استحكمت حلقاتها فرجت وكان يظنها لا تفرج.
كلمات الإمام الشافعي تُلخّص فلسفة المؤمن في الحياة: الثقة الهادئة بأن كل عقدة ستنحل، وكل ليل سيزول، لأن ربك وعد باليسر، ووعده لا يتخلف.
تطبيق عملي من حياتنا اليومية
حين يمرّ المسلم بعسرٍ — مرض، فقدان، ضيق رزق، أو تعب نفسي — فإن أول ما عليه أن يتذكره هو أن الله لم يقل “بعد العسر”، بل قال “مع العسر”.
أي أن الفرج لا ينتظر النهاية، بل يسير معك خطوة بخطوة، حتى وإن لم تلمحه بعد.
💡 جرب هذا التأمل في لحظات الشدة:
خذ نفسًا عميقًا، وردد بهدوء: “فإن مع العسر يسرا…”
اسأل نفسك: ما الخير الخفي الذي يمكن أن يكون في هذا العسر؟
– قد يكون اختبارًا لصبرك.
– أو حماية من ضرر أكبر.
– أو تهيئة لنعمة قادمة تحتاج قلبًا أقوى.
حين تتدرب على هذا المعنى، ستكتشف أن الآية ليست جملة تقرأها، بل أسلوب حياةٍ يغيّر نظرتك لكل ما يمرّ بك.
أحيانًا، لا يتغير الظرف، لكن يتغير القلب، فيرى النور في العتمة.
اليسر الحقيقي ليس دائمًا فيما نحصل عليه، بل في السكينة التي تنزل على القلب حين نرضى.
الخلاصة:
كل عسرٍ تحمله الآن يحمل في طياته يسرك القادم،
ثق بالله… فهو لا يُغلق بابًا إلا ليفتح آخر أوسع وأجمل.
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ






[…] فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا […]