تأمل في معية الله التي تُحيي القلوب
حين تتقلب بك الأيام بين فرحٍ وحزن، وصحةٍ وبلاء، وحين تتزاحم بداخلك هموم الحياة، تأتي هذه الآية لتُطمئن الروح وتهوّن عليك الصعاب:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ [الحديد: 4]
وكأنها تقول لك: لست وحدك أبدًا.
فالله معك في كل وقت، وفي كل حال.
معك حين تخاف، ومعك حين ترجوه، ومعك حتى حين تضعف وتظن أن لا أحد يفهمك.
يعلم سرك وجهرك يعلم ما في قلبك.
يسمعك حين تناديه “يا رب” فتغشاك السكينة والراحة، ويملأ قلبك يقين بأن الفرج قريب، وأن الرحمة أوسع مما تتخيل.

معية الله… ليست مكانًا بل قربًا ورحمة
معية الله لا تُقاس بالمسافات، بل بصفاء القلوب وقوة الصلة.
فهو سبحانه مع المؤمنين بعلمه ولطفه ونصره وتأييده.
قال تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾ [النحل: 128]
هذه المعية الخاصة تجعل المؤمن مطمئنًا مهما اضطربت الدنيا حوله.
ولذلك قال النبي ﷺ لصاحبه أبي بكر في الغار، حين اشتدت لحظة الخطر:
«ما ظنك باثنين الله ثالثهما»
(رواه البخاري ومسلم)
تلك اللحظة لم تكن مجرد نجاة من أعداء، بل كانت درسًا خالدًا:
أن الله مع عبده المؤمن حين يصدق ويتوكل، ولو خذله كل من حوله.
المعية في السيرة النبوية
في كل مشهد من سيرة النبي ﷺ، نرى آثار هذه المعية:
حين حُوصر المسلمون في الشعب، كان الله معهم بالثبات والصبر.
وحين اشتد عليهم القتال في بدر، قال لهم النبي ﷺ:
«أبشروا، فإن الله وعدني إحدى الطائفتين»،
فكانت المعية نصرًا مؤزرًا.
وحتى في لحظات الحزن، حين فُقد الأحبة أو ضاق الطريق،
لم يقل النبي ﷺ يومًا: “أنا وحدي”، بل كان يقول:
«اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل».
هكذا كانت معية الله رفيقة دربه في السراء والضراء، في النصر والابتلاء.
حين تشعر بالوحدة… تذكّر هذه الآية
كم مرة شعرت أن لا أحد يراك؟ لا أحد يشعر بك؟
كم مرة كتمت ألمك حتى ضاق صدرك؟
تذكّر حينها: أن الله يراك، يسمع أنينك، ويعلم سرك وجهرك.
قال تعالى:
﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَىٰ ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7]
فكل دعوة صادقة، وكل دمعة في السجود، لا تضيع عند الله.
إنه معك بعلمه، ومعك برحمته، ومعك بلطفه الذي لا يُرى، لكنه يُحسّ في كل لحظة، ويُورث القلب سكونًا لا يعرفه إلا من ذاقه.
ثمرة الإحساس بمعية الله
من استشعر معية الله عاش مطمئنًا، قويًّا، ثابتًا في وجه الحياة.
لم يعد يخاف المستقبل، لأنه يعلم أن الله معه فيه.
ولم يعد يجزع من الماضي، لأنه يعلم أن الله كان معه وقتها أيضًا.
يقول ابن القيم رحمه الله:
“من امتلأ قلبه من معية الله، لم تبقَ فيه مساحة للخوف من غيره.”
ومضة ختامية
كلما ضاق صدرك، فاذكرها كما لو كانت أوّل مرة تسمعها:
﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾
ليست مجرد آية…
إنها وعد، وسند، وقوة وراحة ترافق قلبك ما حييت.
أحدث الموضوعات
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





