المقدمة: سلاح لا يخطئ هدفه
في ظلمات الليل، وبينما ينام الناس، هناك صوت يرتفع إلى السماء لا يحتاج إلى “واسطة” ولا تقف دونه أبواب. إنه صوت المظلوم.
لقد كان نبينا ﷺ رحيماً بالبشرية، ولشدة رحمته بنا، حذرنا من سلاح فتاك قد يهلك المرء في الدنيا والآخرة وهو لا يشعر: دعوة المظلوم.

أصل القصة: وصية نبوية لمعاذ بن جبل
حين بعث النبي ﷺ الصحابي الجليل معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى اليمن قاضيًا ومعلّمًا، لم يقتصر توجيهه على أحكام الصلاة والزكاة، بل وضع له قاعدة ذهبية في التعامل مع الناس، فقال:
“اتَّقِ دَعْوَةَ المَظْلُومِ، فإنَّهَا ليسَ بيْنَهَا وبيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ” (رواه البخاري).
هذه الكلمات لم تكن موجهة لمعاذ وحده، بل هي رسالة خالدة لكل مسؤول، ولكل صاحب سلطة، ولكل زوج، ولكل إنسان يتعامل مع غيره:
إياك والظلم، فإن الطريق من قلب المظلوم إلى عرش الرحمن مفتوح دائمًا.
ماذا يعني “ليس بينها وبين الله حجاب”؟
عبارة تهزّ الوجدان، وتحمل معاني عظيمة، منها أن الله سبحانه وتعالى:
- يستقبلها فورًا: فلا تُؤخر دعوة المظلوم بسبب ذنوبه أو ضعفه، فالله ينصر المظلوم ولو كان عاصيًا.
- يتكفّل بنصرتها: فقد ورد في أحاديث أخرى أن الله عز وجل يقول:
«وعزتي وجلالي لأنصرنك ولو بعد حين». - تخترق السماوات: دعوة صادقة، لا يعترضها حاجز ولا يحول دونها عائق، حتى تصل إلى ملك الملوك.
صور من الظلم “الخفي” في حياتنا اليومية
يظن بعض الناس أن الظلم لا يكون إلا في الجرائم الكبرى، كالقتل أو السرقة، بينما توجد صور نعدّها بسيطة، لكنها عند الله عظيمة:
- تأخير الرواتب: وقد قال النبي ﷺ:
«أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه»، فكل تأخير بلا عذر هو لون من ألوان الظلم. - الكلمة الجارحة: كلمة استهزاء أو تحقير قد تكسر قلب إنسان، فيرفع يده إلى السماء قائلًا: «حسبي الله»، فتكون تلك الدعوة كافية.
- أكل الميراث: ولا سيما حقوق النساء، وهو من أشد أنواع الظلم التي تورث الندم والحسرة يوم القيامة.
كيف نحمي أنفسنا من هذا الخطر العظيم؟
الوقاية خير من العلاج، وللاتقاء من دعوة المظلوم، لا بد من:
- العدل مع الجميع: لا تستقوِ بمنصبك أو قوتك أو سلطتك على من هم أضعف منك.
- المراجعة اليومية: أن يسأل الإنسان نفسه كل ليلة:
هل ظلمت أحدًا اليوم؟ هل أخذت حقًا ليس لي؟ - ردّ المظالم فورًا: فالاعتذار اليوم، وطلب السماح الآن، أهون بكثير من الوقوف بين يدي الله غدًا.
الخاتمة: رسالة طمأنينة ورسالة تحذير
يذكّرنا موقع «رسولي محمد» بأن هذا الدين هو دين العدل والحق.
فدعوة المظلوم رسالة طمأنينة لكل من كُسر قلبه أو سُلب حقه: نم قرير العين، فالله يرى ويسمع.
وهي في الوقت ذاته رسالة تحذير لكل ظالم: راجع نفسك، قبل أن تُفتح أبواب السماء بدعوة قد تُسقط كل ما بنيته.
اللهم إنا نعوذ بك أن نَظلِم أو نُظلَم.
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





