الحلقة الحادية عشرة
الكعبة… أول بيتٍ وُضع للناس
الكعبة المشرّفة هي أول بيتٍ شُيّد في الأرض لعبادة الله عز وجل، قال تعالى:
﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ﴾.
وقد ثبت في الصحيحين عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سأل رسول الله ﷺ: أيّ مسجد وُضع في الأرض أول؟ فقال: «المسجد الحرام».
في هذه الحلقة من حلقات السيرة على موقع “رسولي محمد”، نستعرض قصة إعادة بناء الكعبة قبل البعثة والتي حدثت في العام الخامس والثلاثين من مولد النبي محمد ﷺ، فقد كانت حادثة مفصلية كشفت عن حكمة إلهية مبكرة، وموقفٍ نبويٍ عظيم حقن دماء العرب قبل البعثة.

أولًا: الدوافع التاريخية لإعادة بناء الكعبة
كانت الكعبة قبل البعثة عبارة عن بناء بسيط يُعرف بـ«الرَّضم»-والرضم حجارة مرصوصة على بعضها بدون ملاط- ارتفاعه تسعة أذرع فقط من عهد إسماعيل عليه السلام، بلا سقف، مما جعلها عرضة للتلف وسرقة كنوزها. ولكن، اجتمعت عدة عوامل عجلت بقرار الهدم والبناء:
تصدعت جدران الكعبة بفعل الزمن والعوامل الطبيعية.وَقَبْلَ بِعْثَةِ النَّبِيِّ ﷺ بِخمسِ سِنِينَ جَرَفَ مَكَّة سَيْلٌ عَرِمٌ انْحدرَ إِلَى البَيْت الحرَامِ، فأَوْشَكَتِ الكعْبَةُ مِنْهُ عَلَى الِانْهِيَارِ.وكَانَ قَدْ أَصَابَهَا مِنْ قَبْلُ حرِيقٌ بِسَبَبِ امْرَأةٍ كَانَتْ تُجَمِّرُهَا أي تبخرها.
شرط قريش في البناء: مالٌ طيب فقط
اتفقت قريش على ألا يدخل في بناء الكعبة إلا المال الطيب الخالص. فلا يُستعمل فيه مهر بغي، ولا مال ربا، ولا مظلمة أُخذت من أحد.
غير أن المال الحلال لم يكن كافيًا لإتمام البناء على قواعد إبراهيم عليه السلام كاملة، فاضطروا لاحقًا إلى تقليص مساحة البناء.
تهيّب الهدم وبداية العمل
عندما همّت قريش بهدم الكعبة، تردّدوا وخافوا أن ينزل بهم أذى، إذ كانوا قد شهدوا ما حلّ بأبرهة الحبشي حين أراد هدمها.
فقال لهم الوليد بن المغيرة المخزومي:
«أتريدون بهدمها الإصلاح أم الإساءة؟»
قالوا: بل الإصلاح.
فقال: «إن الله لا يُهلك المصلحين».
ثم أخذ المعول وبدأ الهدم، وقال: قوموا وساعدوني.
لكنهم قالوا: ننتظر إلى الغد، فإن أُصيب الوليد تركنا البناء، وإن لم يُصب علمنا أن الله رضي صنيعنا.
فلما أصبح ولم يُصبه شيء، شاركوه في الهدم وهم يقولون:
«اللهم إنا لا نريد إلا خيرًا».
الوصول إلى أساس إبراهيم عليه السلام
حتى إذا بلغوا أساس إبراهيم عليه السلام، وجدوا حجارة خضراء كأنها أسنمة الإبل، متشابكة متماسكة.
وحين حاول أحدهم اقتلاع حجر منها، اضطربت مكة بأسرها، فعلموا أن هذا هو الأساس الذي لا يجوز تجاوزه، فتوقفوا عنده.
تقسيم العمل بين القبائل
اشترك سادة مكة ورجالاتها في البناء، وقُسّمت الكعبة بين القبائل:
- شق الباب لبني عبد مناف وزهرة
- ما بين الركن الأسود واليماني لبني مخزوم ومن معهم
- ظهر الكعبة لبني جمح وسهم
- شق الحِجر (الحطيم) لبني عبد الدار وبني أسد وبني عدي
مشاركة النبي ﷺ في البناء
شارك رسول الله ﷺ بنفسه في نقل الحجارة مع أعمامه، وكان عمره آنذاك خمسًا وثلاثين سنة.
وروى جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي ﷺ كان ينقل الحجارة وعليه إزاره، فقال له العباس:
«يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة».
فلما فعل، سقط مغشيًا عليه، فما رُئي بعدها عريانًا ﷺ.
وفي رواية أخرى أنه لما كشف عن إزاره خرّ إلى الأرض، ورفع بصره إلى السماء، ثم قال:
«أرني إزاري»، فشدّه عليه.
وكان ذلك من حفظ الله له من مظاهر الجاهلية قبل البعثة.
فتنة الحجر الأسود… على شفا حرب
حين بلغ البناء موضع الحجر الأسود، اختلفت القبائل: أيّهم ينال شرف وضعه؟
وكاد الخلاف أن يتحول إلى حرب داخل الحرم، حتى إن بني عبد الدار وبني عدي تعاقدوا على الموت.وغمسوا أيديهم في إناء دم، فسمّوا لعقة الدم.
ومكثوا على ذلك أربعًا أو خمس ليالٍ.
الحل الحكيم: الصادق الأمين
ألهم الله أحد عقلائهم، وهو أبو أمية بن المغيرة المخزومي، أن يجعلوا الحكم بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة.
فلما ترقبوا الداخل، إذا به محمد ﷺ.
فقالوا جميعًا:
«هذا الأمين، رضينا به».
فاستمع النبي ﷺ إلى القصة، ثم قال:
«هلمّ إليّ بثوب».
فوضع الحجر الأسود في وسط الثوب، وقال:
“لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ، ثُمَّ ارْفَعُوهُ جَمِيعًا”.
فلما بلغوا موضعه، أخذه النبي ﷺ بيده الشريفة ووضعه مكانه، فارتضى الجميع، وزالت الفتنة.
بهذا الموقف، درأ رسول الله ﷺ حربًا كادت تشتعل، وأظهر من الحكمة والعدل ما كان مقدمةً لما سيأتي بعد النبوة من إصلاحٍ بين الناس، ورحمةٍ للعالمين.
ضيق النفقة الحلال وتغيّر البناء
بسبب قلة المال الحلال، لم تتمكن قريش من إدخال كامل مساحة البيت، فاقتطعوا الجزء الشمالي، وبنوا عليه جدارًا قصيرًا، وهو الحِجر.
كما رفعوا الكعبة، وجعلوا لها بابًا واحدًا مرتفعًا، يدخلون منه من شاءوا ويمنعون من شاءوا.
المواصفات المعمارية للكعبة (بعد التجديد)
- الحِجر والحطيم: أخرجوا من الجهة الشمالية 6 أذرع لعدم توفر المال الحلال لإكمالها، وأحاطوها بجدار قصير.
- رفع الباب: رفعوا الباب مترين عن الأرض للتحكم فيمن يدخلها.
- الأبعاد: صار الارتفاع 15 مترًا، وسُقفت على 6 أعمدة.
- الشاذروان: وهو بناء يحيط بأسفل الكعبة (ارتفاعه 0.25م وعرضه 0.30م) وهو من أصل البيت لكن قريشاً تركت البناء فوقه.
رَوَى الشَّيخانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ رسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ لهَا: “يا عَائِشَةُ! لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بالبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ، وأَلْزَقْتُهُ بالأَرْضِ، وجَعَلْتُ لهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وبَابًا غَرْبيًّا فَبَلَغْتُ بهِ أسَاسَ إبْرَاهِيمَ”.
الخاتمة:
لم تكن قصة بناء الكعبة مجرد ترميمٍ لأحجار، بل كانت حدثا عظيمًا أظهر حكمة النبي ﷺ وقدرته على جمع القلوب المتفرقة. لقد نشأ ﷺ في كنف الله ورعايته، مصونًا من أدران الجاهلية. ليكون بناء شخصيته العظيمة هو الحجر الأساس في صرح الإسلام الذي سيغير وجه التاريخ ويحمل الرحمة للعالمين.
في الحلقة القادمة إن شاء الله سنتعرف على بعض أخلاق النبي قبل البعثة. وكيف حفظه الله عز وجل من أدران الجاهلية.
الحلقة السابقة
الحلقة التالية
اقرأ أيضا
- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة رضي الله عنها

- طفولة النبيﷺ وعصمة الله له خلال نشأته

- حادثة شق صدر النبي ﷺ

- ميلاد سيد الخلق النبي محمد ﷺ

- عبد الله والد الرسولﷺ وقصة ذبحه!

- حفر بئر زمزم وحادثة الفيل

- النسب النبوي الشريف

- لِمَاذا بُعِثَ النَّبي ﷺ في جَزِيرَة العرب؟

- الحياة في الجزيرة العربية قبل مولد النبي ﷺ






[…] الحلقة التالية […]
[…] بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة م… […]