الحلقة الثانية عشرة
مقدمة
حفظ الله تعالى نبيَّه محمدًا ﷺ منذ نشأته، فكانت حياته قبل البعثة حياةً طاهرةً نقية. لم تُعرف له فيها هفوة، ولم تُسجَّل عليه زلّة. بل نشأ في كنف العناية الإلهية، مصونًا من أدران وأقذار الجاهلية، مُهيَّأً لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية.
فشبّ ﷺ كريم الخصال، سامي الأخلاق، فكان أفضل قومه مروءةً. وأصدقهم حديثًا، وأحْسَنَهُمْ خُلُقًا، وأكْرَمَهُمْ حَسَبًا، وأعظمهم أمانة، وأحسنهم جوارًا، وأبعدهم عن الفحش ومساوئ السلوك. حتى أجمع أهل مكة على تلقيبه بـ «الأمين»، وهو لقب لم يُمنح له مجاملة، بل شهادة واقع عاشها الناس معه.
وقد عدّد الله تعالى نعمه عليه في قوله:
{أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى. .} سورة الضحى.
فقد وُلد ﷺ يتيم الأب، ثم فقد أمه في السادسة، فكفله جدّه عبد المطلب، ثم عمّه أبو طالب. وكان ذلك كله بتدبيرٍ ربانيٍ دقيق، أعدّه الله به لما ينتظره من شرف الرسالة. ورغم أن عمّه أبا طالب بقي على دين قومه، إلا أنه كان له حصنًا ومنعة، حتى توفي قبيل الهجرة. فاشتد أذى قريش، فاختار الله لنبيّه الهجرة، حيث نصره الأنصار وآووه، فتمّ بذلك وعد الله وحفظه.

بُغِّضَت إليه عبادة الأصنام
نشأ رسول الله ﷺ سَلِيمَ العَقِيدَةِ، صَادِقَ الإيمَانِ، عَمِيقَ التَّفَكُّرِ، غَيْرَ خَاضِعٍ لِتُرَّهَاتِ الجَاهِلِيَّةِ، فَمَا عُرِفَ عَنْهُ أَنَّهُ سَجَدَ لِصَنَمٍ قَطُّ، أَوْ تَمَسَّحَ بِهِ، أَوْ ذَهَبَ إلى عَرَّافٍ أَوْ كَاهِنٍ. بَلْ بُغِّضَ إِلَيْهِ عِبَادَةُ الأَصْنَامِ، والتَّمَسُّحُ بِهَا..وقد قال ﷺ لخَديجةَ قَبلَ النُّبوَّةِ: أي خَديجةُ، أي: اسمَعي يا خَديجةُ، واللَّهِ لا أعبُدُ اللَّاتَ والعُزَّى. وكانت هذه مِن أصنامِ العَرَبِ التي يَعبُدونَها في الجاهليَّةِ، واللهِ لا أعبُدُ أبَدًا، أي: لا أعبُدُ الأصنامَ مُطلَقًا. فكانت خَديجةُ تَقولُ له: خَلِّ اللَّاتَ خَلِّ العُزَّى، أي: دَعْ عِبادَتَها ولا تَحزَنْ، تَقريرًا له على ما قال.
وقد شهد له من عاشره قبل النبوة بأنه لم يستلم صنمًا قط، ولم يشارك قومه في طقوسهم الوثنية. مما يدل على عصمةٍ إلهيةٍ مبكرة، وحفظٍ خاصٍّ مهّد لصفاء الرسالة فيما بعد.
تنزيهه ﷺ عن الشعر مع تذوقه للحكمة
ولم يكن ﷺ شاعرًا، ولم يُعرف عنه نظم الشعر، لأن مقام النبوة أرفع من التقيّد بالأوزان والأساليب الشعرية. وقد نفى الله عنه ذلك صراحة بقوله:
{وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ} سورة يس.
ومع ذلك، كان ﷺ يتَذَوَّقُ ما فِي الشِّعْرِ مِنْ جَمَالٍ، وَحِكْمَةٍ، ورَوْعَةٍ، ويَسْتَنْشِدُهُ أصْحَابَهُ أحْيَانًا. ولا عَجَبَ فَهُوَ القَائِلُ ﷺ: “إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْرًا، وإنَّ مِنَ الشِّعْرِ حَكْمَةً”أخرجه البخاري في صحيحه
عصمته ﷺ من الفواحش والخمر ولهو الجاهلية
ومن تمام حفظ الله له ﷺ أنه لم يشرب خمرًا قط، ولم يقترف فاحشة، ولم ينغمس في لهو الجاهلية، رغم توفر دواعي الانحراف من شبابٍ، ونسبٍ، ومكانةٍ، وفتنة. بل ظل نقي السلوك، مستقيم المسار، حتى في دقائق العادات، فكان يقف بعرفة مع الناس، مخالفًا قريشًا في انحرافهم عن شعائر إبراهيم.
وقد شهد ﷺ بنفسه أن الله عصمه من دوافع السوء في شبابه، وأنه ما همّ بعدها بشيءٍ مما كان عليه أهل الجاهلية، حتى أكرمه الله بالنبوة.
الصدق والأمانة… شهادة الأعداء قبل الأصدقاء
وَكَانَ ﷺ مَحَلَّ ثِقَةِ النَّاسِ وأمَانَاتِهِمْ، لا يَأْتَمِنُهُ أَحَدٌ عَلَى وَدِيعَةٍ مِنَ الوَدَائِعِ إِلَّا أدَّاهَا لَهُ. ولا يَأْتَمِنُهُ أَحَدٌ عَلَى سِرٍّ أَوْ كَلامٍ إِلَّا وَجَدَهُ عِنْدَ حُسْنِ الظَّنِّ بهِ. فلا عَجَبَ أَنْ كَانَ مَعْرُوفًا في قُرَيْشٍ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بالأمِينِ.
وَكَانَ الصِّدْقُ مِنْ صِفَاتِهِ ﷺ البَارِزَةِ، شَهِدَ لهُ بِذَلِكَ العَدُوُّ والصَّدِيقُ. ولمَّا بَعَثَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلى النَّاسِ جَمِيعًا، وأمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الأقْرَبِينَ، صارَ يُنَادِي بُطُونَ قُرَيْشٍ. فَلَمَّا حضَرُوا قَالَ لَهُمْ: “أرَأَيْتُكُمْ لَوْ أخْبَرْتُكُمْ، أَنَّ خَيْلًا بِالْوَادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ كُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ ” قالُوا: نَعَمْ، مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَطُّ” (أخرجه البخاري في صحيحه).
ولمَّا قَالَ هِرَقْلُ مَلِكُ الرُّومِ لِأَبِي سُفْيَانَ بنَ حَرْبٍ -وَكَانَ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا-: هَلْ كُنْتُمْ تَتَّهِمُونَهُ بِالْكَذِبِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ مَا قَالَ؟ قَالَ: لَا، فقَالَ هِرَقْلُ: فَقَدْ عَرَفْتُ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَدَعَ الكَذِبَ عَلَى النَّاسِ، ويَكْذِبَ عَلَى اللَّهِ.(أخرجه البخاري في صحيحه).
كان رسُوُل اللَّهِ ﷺ وَصُولًا للرَّحِمِ:
وَكَانَ رسُولُ اللَّه ﷺ إلى ذَلِكَ كُلِّهِ، وَصُولًا لِلرَّحِمِ، عَطُوفًا عَلَى الفُقَرَاءِ، وذَوِي الحَاجَةِ، ويُقْرِي الضَّيْفَ، ويُعِينُ الضَّعِيفَ. ويَمْسَحُ بِيَدَيْهِ بُؤْسَ البَائِسِينَ، ويُفَرِّجُ كَرْبَ المَكْرُوبِينَ. وقَدْ وَصَفَتْهُ بهَذَا أُمُّ المُؤْمِنِينَ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا في بَدْءِ الوَحْيِ. فقالتْ: كَلَّا وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا، إنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتَحْمِلُ الكَلَّ (الإنفاقُ علي الضَّعِيفِ، واليتيمِ والعِيَالِ)، وتُكْسِبُ المَعْدُومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ. (أخرجه البخاري في صحيحه).
كمال الأخلاق ودليل النبوة
لقد كانت حياة النبي ﷺ قبل البعثة مثالًا فريدًا للكمال الإنساني. حياةً لم تُعرف في تاريخ البشر نظيرها؛ إذ اجتمعت فيها الطهارة، والصدق، والرحمة، والعدل، مع نشأةٍ في مجتمعٍ غارقٍ في الظلمات. وذلك دليل قاطع على أن هذه السيرة لم تكن وليدة بيئة، بل ثمرة إعدادٍ إلهيٍّ خاص.
ولهذا قال أهل العلم: إن كمال أخلاقه ﷺ قبل الوحي من أعظم دلائل نبوته، إذ لا يُعهد أن يسمو إنسان فوق مجتمعه كله، وهو جزءٌ منه، إلا بعنايةٍ من الله.
خلاصة
لقد نشأ النبي ﷺ محفوظًا بعين الله، مهيأً للرسالة قبل نزول الوحي، فكانت حياته الطاهرة شاهدًا صامتًا على صدق نبوته. ودليلًا ناصعًا على أن هذا الدين وحيٌ من عند الله، لا ثمرة عبقرية بشرية.
الحلقة السابقة
الحلقة التالية
اقرأ أيضا
- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة رضي الله عنها

- طفولة النبيﷺ وعصمة الله له خلال نشأته

- حادثة شق صدر النبي ﷺ

- ميلاد سيد الخلق النبي محمد ﷺ

- عبد الله والد الرسولﷺ وقصة ذبحه!

- حفر بئر زمزم وحادثة الفيل

- النسب النبوي الشريف

- لِمَاذا بُعِثَ النَّبي ﷺ في جَزِيرَة العرب؟

- الحياة في الجزيرة العربية قبل مولد النبي ﷺ






[…] الحلقة التالية […]
[…] حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية […]