الحلقة الثالثة عشرة
مقدمة
عاش رسولُ الله ﷺ قبل البعثة حالةً من القلق الداخلي الغامض، دون أن يدرك مصدره أو غايته. ولم يكن يتطلع إلى نبوة أو رسالة، بل لم يخطر ذلك بباله يومًا. وقد بيّن القرآن الكريم هذه الحقيقة بوضوح، فقال الله تعالى:
{وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} سورة الشورى.
{وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكَافِرِينَ} سورة القصص.
فلم يكن ﷺ ينتظر الوحي أو يسعى إليه، وإنما هي عناية إلهية سبقت الاختيار والاصطفاء.

الخلوة إعدادٌ رباني لا تشوّف للنبوة
ألهم الله نبيه ﷺ حبَّ الخلوة والعبادة في غار حراء، وكان ذلك تطهيرًا للنفس وإعدادًا روحيًا لتحمّل أعباء الرسالة. ولو كان ﷺ يتوقع النبوة، لما فزع عند نزول الوحي عليه أول مرة. ولَمَا نَزَلَ إلى خَدِيجَةَ يَسْتَفْسِرُهَا عَنْ سِرِّ تِلْكَ الظَّاهِرَةِ التِي رَآهَا في غَارِ حِرَاءٍ. ولَمْ يَتَأَكَّدْ مِنْ أَنَّهُ رسُولٌ إِلَّا بَعْدَ نُزُولِ الوَحْي عَلَيْهِ مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ فَتْرَةِ الوَحْي.
الحكمة من أميّته ﷺ
ومن حكمة الله البالغة أن نشأ النبي ﷺ أميًا لا يقرأ ولا يكتب، ليكون ذلك أقطع لحجج المبطلين، وأبعد عن الشبهات، كما قال تعالى:
{وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ}سورة العنكبوت.
ووصفه القرآن بالنبي الأمي، وهي صفة كمالٍ في حقه، ودليل على أن هذا الوحي من عند الله لا من تعليم البشر.
فقَالَ تَعَالَى: {الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ}سورة الأعراف .
إرهاصات “مقدمات” البعثة:
حجب الشياطين عن استراق السمع
مع اقتراب بعثة النبي ﷺ، وقعت أحداث كونية عظيمة، منها حجب الشياطين عن استراق السمع من السماء، ورميهم بالشهب. وهو ما دلّ على حدوث أمر جلل في الأرض.
وقد سجل القرآن شهادة الجن أنفسهم على ذلك، حين قالوا:
{وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا} سورة الجن.
فكان ذلك حمايةً للوحي من الاختلاط، وقطعًا لكل شبهة، وإقامةً للحجة البالغة.
هل كان الرمي بالشهب قبل البعثة أم بعدها؟
اختلف العلماء في توقيت هذا الرصد:
- فقيل: كان موجودًا قبل البعثة، لكنه اشتد وتغلّظ بعدها
- وقيل: بدأ مع قرب نزول الوحي
والراجح – كما ذكر الحافظ ابن حجر – أن التشديد والمبالغة في الحراسة وقعا عند ابتداء البعثة، ثم استمرّا بعدها، حفظًا للوحي من تلبيس الشياطين.
الخلاصة
إن أحداث ما قبل البعثة، وما صاحبها من تغيرات كونية وروحية، تكشف عن إعداد إلهي دقيق لرسول الله ﷺ. وتؤكد أن الرسالة لم تكن طموحًا بشريًا، بل اصطفاءً ربانيًا محكمًا، حفظه الله من كل شبهة، وأحاطه بعنايته منذ اللحظة الأولى.
الحلقة السابقة
الحلقة التالية
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول






[…] الحلقة التالية […]