مقدمة
قال الله تعالى في وصف نبيه الكريم ﷺ:
{وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ}.سورة الأنبياء
لم تكن رحمة النبي ﷺ خُلُقًا عارضًا، ولا صفةً ثانوية في سيرته، بل كانت جوهر رسالته، ومنهج حياته، وسلوكًا عمليًا تجلّى في كل أحواله؛ في السلم والحرب، في القوة والضعف، مع القريب والبعيد.
وقد بيّن الله تعالى أن سرّ اجتماع القلوب حول النبي ﷺ لم يكن في الشدة ولا القسوة، بل في اللين والرحمة، فقال سبحانه:
{فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ ۖ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ}.سورة آل عمران
فكانت الرحمة خُلُقًا جامعًا، بها ثبتت الدعوة، واجتمعت القلوب، واستمر الأثر.
في موقع «رسولي محمد»، نقف اليوم مع هذا الخُلُق العظيم لنرى كيف سبقت الرحمةُ العقلَ، وفتحت القلوب قبل أن تُخاطَب العقول، فغيّرت مجرى التاريخ.

1. رحمةٌ غيَّرت ملامح الغضب
من أعظم صور رحمته ﷺ عفوه عند المقدرة، وضبطه لنفسه في لحظات كان الانتقام فيها متوقعًا.
ففي فتح مكة، بعد سنوات طويلة من الأذى والتكذيب والإخراج، وقف النبي ﷺ منتصرًا، فسأل أهلها:
«ما تظنون أني فاعل بكم؟»
فلما قالوا: «أخٌ كريم، وابنُ أخٍ كريم»، قال كلمته الخالدة:
«اذهبوا فأنتم الطلقاء».
الدروس المستفادة:
- الرحمة لا تعني الضعف، بل تعني سموّ النفس.
- العفو عند القدرة من أعلى مراتب الأخلاق.
2. رفق النبي ﷺ بضعفاء الأمة
كان النبي ﷺ أكثر الناس عنايةً بالضعفاء، وأقربهم إلى القلوب التي قد يغفل عنها المجتمع.
🔹 رحمته بالأطفال
كان يحمل الحسن والحسين، ويقبّلهما، ويطيل السجود إذا صعد أحدهما على ظهره، وقال ﷺ:
«مَن لا يَرحم لا يُرحم».صحيح البخاري
🔹 رحمته بالنساء
أوصى بهن خيرًا، فقال:
«استوصوا بالنساء خيرًا». صحيح البخاري
وكان في بيته في خدمة أهله، يخصف نعله، ويرقع ثوبه، تواضعًا وحسن عشرة.
3. رحمته ﷺ بالحيوان
لم تقتصر رحمته ﷺ على البشر، بل شملت كل ذي روح.
- أخبر ﷺ عن امرأة غفر الله لها لأنها سقت كلبًا عطِشًا.
- وذكر عذاب امرأة حبست هِرّة، فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض.
وفي موقف مؤثر، دخل ﷺ بستانًا، فإذا فيه جمل قد ذرفت عيناه، فمسح النبي ﷺ ذِفراه (جانبي عنقه) فسكن، ثم قال لصاحبه:
«أفلا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها؟».صحيح الترغيب
وهذا دليل على أن الرحمة في الإسلام خُلُق شامل، لا يُفرّق بين إنسان وحيوان.
4. كيف نتمثّل خُلُق الرحمة اليوم؟
نحن اليوم أحوج ما نكون إلى إحياء هذا الخُلُق في واقعنا:
🔹 الرحمة في القول
بالكلمة الطيبة، وترك السخرية والتجريح، خاصة في وسائل التواصل.
🔹 الرحمة في المعاملات
كما قال ﷺ:
«رحم الله رجلًا سمحًا إذا باع، وإذا اشترى، وإذا اقتضى».صحيح البخاري
🔹 الرحمة مع المخطئين
بالستر والنصح، والتوجيه بالحكمة، لا بالتشهير أو القسوة.
خاتمة
ما دخل الناس في دين الله أفواجًا بالسيف،
ولا استقرت الدعوة بالقسوة،
بل بالرحمة، وحسن الخُلُق، ولين الجانب.
لقد كان النبي ﷺ رحمةً تمشي على الأرض،
فمن أراد اتباع سنّته حقًا،
فليبدأ من هنا…
من خُلُق الرحمة.
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





