مقدمة
في زمنٍ تشتد فيه القسوة، وتعلو فيه نبرة العنف في القول والفعل، تبرز السيرة النبوية كنموذج رباني متكامل للأخلاق والرحمة.
فلم يكن رسول الله ﷺ قائدًا أو مصلحًا فحسب، بل كان — كما وصفه ربُّه — رحمةً مهداة، تجلّى خُلُق الرفق في أقواله وأفعاله، مع القريب والبعيد، والموافق والمخالف.
قال ﷺ:
«إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَه، ولا يُنزَعُ من شيءٍ إلا شانَه»
(رواه مسلم)

1. الرفق بالجاهل: قصة الأعرابي في المسجد
من أعظم الشواهد على حلمه ﷺ ورفقه، ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه:
«بينما نحن في المسجد مع رسول الله ﷺ إذ جاء أعرابي فبال في المسجد، فقام إليه القوم، فقال النبي ﷺ: لا تُزرِموه. ثم دعاه فقال له: إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن»
(رواه البخاري ومسلم)
ومعنى (لا تُزرِموه): لا تقطعوا عليه بوله فجأة.
الدرس المستفاد
الرفق يفتح باب التعليم، ويجعل المخطئ قابلًا للنصح،
أما الغلظة فقد تُنَفِّر القلوب ولو كان الحق مع صاحبها.
2. الرفق بالشباب: الاحتواء بدل الإدانة
جاء شاب إلى النبي ﷺ يستأذنه في الزنا، فثار الصحابة رضي الله عنهم،
أما النبي ﷺ فقال:
«ادنه»
فقربه منه، ثم قال:
«أتحبه لأمك؟… أفتحبه لابنتك؟…»
حتى قال الشاب: لا والله يا رسول الله.
ثم وضع ﷺ يده على صدره وقال:
«اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصّن فرجه»
(رواه أحمد، وصححه الألباني)
فما خرج الشاب — كما روى الصحابة — إلا وأبغض شيء إلى قلبه ما كان جاء يستأذن فيه.
الدرس المستفاد
الشباب لا يُقوَّمون بالصراخ، بل بالفهم، والحوار، والدعاء الصادق.
3. الرفق في البيت: معيار الخيرية الحقيقية
تقول أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها:
«ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط بيده، ولا امرأة، ولا خادمًا، إلا أن يُجاهد في سبيل الله»
(رواه مسلم)
وكان ﷺ:
- يخدم أهله
- ويخصف نعله
- ويكون في مهنة أهله
وقال ﷺ:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
(رواه الترمذي وصححه)
الدرس المستفاد
الرفق داخل البيت هو المقياس الحقيقي للأخلاق، لا ما يُظهره الإنسان أمام الناس.
4. كيف نُحيي خُلُق الرفق في حياتنا؟
الرفق في الكلمة
قال ﷺ:
«الكلمة الطيبة صدقة»
(متفق عليه)
الرفق في الدعوة والنصيحة
قال تعالى:
{ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ} سورة النحل
الرفق في وسائل التواصل
تذكّر أن وراء كل حساب قلبًا، وأن الأجر أو الوزر قد يكون في كلمة.
الرفق بالنفس
إذا أخطأت، فلا تيأس،
بل تب إلى الله وسُق نفسك إلى الخير برفق، كما كان النبي ﷺ يسوق الناس إلى الهداية.
الخاتمة
لم ينتشر الإسلام بالقسوة،
بل بالرفق، والحكمة، وحُسن الخُلُق.
ومن تأمّل سيرة النبي ﷺ، أيقن أن لين الجانب كان أعظم مفاتيح القلوب،
وأن الرفق عبادة، ومنهج حياة، وطريق دعوة.
نسأل الله أن يرزقنا الاقتداء بنبينا ﷺ ظاهرًا وباطنًا.
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





