الحلقة الرابعة عشرة
في الأيام الأخيرة قبل البعثة، بدأت تظهر على النبي ﷺ إرهاصات النبوة ومقدماتها -“الإرهاص:أَمرٌ خارق للعادة يظهره الله على يد نبيّ قبل بعثته، يكون من مُقَدِّمات النُّبُوَّة”-، وهي علامات مهَّدت لمرحلة نزول الوحي، وأعدّت قلبه الشريف لحمل أعظم رسالة عرفتها البشرية.

ومن أبرز هذه المقدمات:
أولًا: الرؤيا الصادقة
كانت الرؤيا الصادقة أول ما بدأ به رسول الله ﷺ من مبشرات النبوة، فكان لا يرى رؤيا في منامه إلا جاءت واضحة صادقة كفلق الصبح، واستمر ذلك مدة ستة أشهر قبل نزول الوحي.
عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَاُ بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِنَ الْوَحْي الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ، فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ. (رواه البخاري)
والمقصود بفلق الصبح أي ضياؤه والمعنى أن الرؤيا تتحقق لا شك فيها.
وكانت هذه الرؤى الصادقة تهيئة ربانية لقلب النبي ﷺ لاستقبال الوحي.
ثانيًا: حب الخلوة والتعبد في غار حراء
ولما تقاربت سنه ﷺ الأربعين، وكانت تأملاته الماضية قد وسعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، حُبب إليه الخلوة. فكان يأخذ معه السويق والماء ويذهب إلى غار حراء في جبل النور، على مبعدة نحو ميلين من مكة. وهو غار لطيف طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراع وثلاثة أرباع ذراع، ومعه أهله قريبًا منه.
فيقيم فيه شهر رمضان، يطعم من جاءه من المساكين، ويقضي وقته في العبادة والتفكير فيما حوله من مشاهد الكون. وفيما وراءها من قدرة مبدعة، وهو غير مطمئن لما عليه قومه من عقائد الشرك المهلهلة، وتصوراتها الواهية. ولكن ليس بين يديه طريق واضح، ولا منهج محدد، ولا طريق قاصد يطمئن إليه ويرضاه.
وكان اختيار النبي ﷺ لهذه العزلة طرفًا من تدبير الله له، ليعده لما ينتظره من الأمر العظيم.
فلا بد لأي روح يُراد لها أن تؤثر في واقع الحياة البشرية، فتغير وجهتها، من خلوة وعزلة بعض الوقت، وانقطاع عن شواغل الأرض وضجة الحياة وهموم الناس الصغيرة.
وهكذا دبر الله لمحمد ﷺ هذه العزلة قبل تكليفه بالرسالة بثلاث سنوات، لينطلق فيها شهرًا من الزمان. مع روح متأملة في ملكوت الوجود، متدبرًا ما وراء الوجود من غيب مكنون، حتى يحين موعد التعامل مع هذا الغيب إذ يأذن الله له.
وكان إذا رجع من خلوته بدأ بالطواف بالكعبة قبل أن يدخل بيته، تعظيمًا لبيت الله الحرام، واستمر على ذلك سنوات قبل نزول الوحي.
ثالثًا: تسليم الحجر والشجر عليه ﷺ
ومن مقدمات النبوة كذلك ما أكرم الله به نبيه ﷺ من تسليم الحجر والشجر عليه قبل البعثة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ -رضي اللَّه عنه- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : “إِنِّي لَأَعْرِفُ حَجَرًا بِمَكَّةَ كَانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُبْعَثَ، إِنِّي لَأَعْرِفُهُ الْآنَ” (رواه مسلم).
وفي رواية أخرى أن النبي ﷺ كان إذا مرّ بحجر أو شجر قال: السلام عليك يا رسول الله.(أخرجه الترمذي).
وكان ذلك من دلائل تكريم الله لنبيه قبل نزول الوحي عليه.
رابعًا: سماع الصوت ورؤية الضوء
ومن إرهاصات النبوة أيضًا أن النبي ﷺ كان يرى الضوء ويسمع الصوت قبل نزول الوحي عليه.
أي صَوْتُ الهَاتِفِ به مِنَ المَلائِكَةِ، ويرى الضَّوْءَ أي نُورَ المَلائِكَةِ، ونُورَ آياتِ اللَّه تَعَالَى حتى رَأى المَلَكَ بَعَيْنِهِ، وكلمه بِوَحْيِ اللَّه تَعَالَى.
عن ابن عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِخَدِيجَةَ “إِنِّي أَرَى ضَوْءًا وَأَسْمَعُ صَوْتًا، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَكُونَ بِي جُنُنٌ”.
فَقَالَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بِكَ يَا ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ! ثُمَّ أَتَتْ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلٍ، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: إِنْ يَكُ صَادِقًا، فَإِنَّ هَذَا نَامُوسٌ مِثْلُ نَامُوسِ مُوسَى. فَإِنْ بُعِثَ وَأَنَا حَيٌّ فَسَأُعَزِّرُهُ (أي أعينه)، وَأَنْصُرُهُ، وَأُومِنُ بِهِ. (أخرجه أحمد).
والناموس أي صَاحِبُ سِرِّ الخَيْرِ، أَرَادَ بهِ جِبْرِيلَ عليهِ السَّلامُ.
خاتمة
وهكذا كانت هذه الإرهاصات الربانية تمهيدًا كريمًا لحدثٍ عظيم سيغيّر مجرى التاريخ الإنساني كله. إذ هيّأ الله تعالى قلب نبيه ﷺ بالرؤيا الصادقة، وحبّ الخلوة، وتسليم الحجر والشجر عليه، وسماع الصوت ورؤية الضوء، حتى جاء اليوم الموعود في غار حراء.
حيث بدأ نزول الوحي بكلمة ﴿اقْرأْ﴾، لتشرق بنور الرسالة مرحلة جديدة في حياة النبي ﷺ، وتبدأ معها أعظم رحلة هداية عرفتها البشرية.
اقرأ أيضا
- القلق في حياتنا اليومية وكيف يعالجه القرآن والسنة

- مقدمات نزول الوحي على النبي ﷺ

- منهج الاستغناء بالله

- مفهوم «خطوات الشيطان» في القرآن الكريم: قراءة تدبّرية وتحليل دلالي

- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية






[…] الحلقة التالية […]