مقدمة
حين يقول الله تعالى:
{وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ} (البقرة: 184)،
فإنه يختصر معنى الصيام كله في كلمة واحدة: الخير.
كلمة قصيرة، لكنها تحمل معاني واسعة؛ خيرًا لا يقتصر على الأجر في الآخرة، بل يمتد ليشمل القلب والنفس والسلوك، وحتى طريقة نظر الإنسان إلى حياته وشهواته. ولهذا لم يكن الصيام مجرد عبادة موسمية، بل مدرسة تتكرر كل عام لتعيد ترتيب الإنسان من الداخل.

الصيام بين المشقة الظاهرة والخير الخفي
جاءت هذه الآية بعد الحديث عن رخصة الإفطار للمريض والمسافر، في إشارة إلى رحمة الشريعة وتيسيرها. لكن القرآن يلفت الانتباه إلى حقيقة أعمق: أن ما يبدو شاقًا في ظاهره قد يحمل خيرًا عظيمًا في باطنه.
وقد أشار الإمام ابن كثير إلى أن الصيام خير لما فيه من تزكية النفس وتهذيبها، إذ يضعف سلطان الشهوة ويقوّي إرادة الإنسان، فيتعلم أن يكون قائدًا لرغباته لا تابعًا لها.
ومن جمال التعبير القرآني أن كلمة “خير” جاءت مطلقة، وكأنها تفتح أمام المؤمن أبوابًا من الخير قد لا يراها كلها، لكنه يثق في حكمة الله فيها.
الصيام وبناء التقوى
الغاية التي يذكرها القرآن بوضوح هي قوله تعالى:
{لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}.
والتقوى ليست مجرد ترك الحرام، بل هي شعور دائم بأن الله حاضر في حياة الإنسان. الصائم يمتنع عن الطعام والشراب وهو وحده، لا خوفًا من الناس، بل مراقبةً لله. وهنا يتحول الصيام إلى تدريب عملي على الإخلاص، وعلى ضبط النفس في السر قبل العلن.
ولهذا يخرج المسلم من رمضان – إذا أحسن صيامه – أكثر هدوءًا، وأقرب إلى نفسه، وأقدر على التحكم في انفعالاته.
الصيام وقاية للنفس
يقول النبي ﷺ في الحديث الذي رواه الصحابي أبو هريرة رضي الله عنه:
“الصيام جُنَّة” — رواه البخاري ومسلم.
والجٌنة هنا بمعنى الوقاية؛ فهو يحمي الإنسان من الاندفاع وراء الغضب والشهوة، ويمنحه مساحة للتفكير قبل الفعل. ولذلك كان الصيام عبادة تُصلح السلوك بهدوء، دون صدام أو قسر.
لماذا اختص الله الصيام بهذا الفضل؟
في الحديث القدسي:
“كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به”.
لأن الصيام عبادة خفية في أصلها، لا يطلع على حقيقتها إلا الله. قد يبدو الناس جميعًا صائمين، لكن صدق الصيام سرّ بين العبد وربه. وهذه الخصوصية تعيد توجيه القلب من طلب مدح الناس إلى طلب رضا الله وحده.
كيف نستقبل رمضان بروح مختلفة؟
الاستعداد لرمضان لا يبدأ من المائدة، بل من القلب. ومن أجمل ما يعين على ذلك:
- تجديد النية والتوبة قبل دخول الشهر.
- الفرح بقدومه لأنه فرصة جديدة للبداية.
- وضع خطة بسيطة للعبادة يمكن الاستمرار عليها.
- تعلم أحكام الصيام حتى تكون العبادة صحيحة ومقبولة.
المطلوب ليس الكمال، بل الصدق والاستمرار.
خاتمة
الصيام ليس حرمانًا بقدر ما هو تحرير؛ تحرير من العادة، ومن سيطرة الرغبات، ومن الانشغال الدائم بالماديات. إنه فرصة سنوية ليعود الإنسان إلى صفائه الأول.
ولهذا كان التعبير القرآني جامعًا مانعًا:
{وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}.
خيرٌ حين يهدأ القلب،
وخيرٌ حين تسمو النفس،
وخيرٌ حين يقترب الإنسان خطوة جديدة من ربه.




