حين تصبح الثقة بالله بوابة للطمأنينة والقدر الجميل
المقدمة: حديث يفتح أبواب الرجاء
قال رسول الله ﷺ فيما يرويه عن ربه عز وجل:
يقولُ اللَّهُ تَعالَى: أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً .
(رواه البخاري ومسلم)
هذا الحديث القدسي ليس مجرد كلمات تبعث الطمأنينة، بل هو مبدأ إيماني عظيم يحدد شكل علاقة الإنسان بربه. فهو يعلّمنا أن الله يعامل عبده بحسب ما يحمله قلبه من تصوّر عنه: رحمةً، وعدلًا، ولطفًا، وقربًا.
وفي أوقات الشدة والضيق، يصبح حسن الظن بالله مصدر أمان داخلي، يعيد للقلب توازنه، ويمنحه قدرة على الصبر واليقين، مهما بدت الظروف قاسية.

أولًا: ما المقصود بحسن الظن بالله؟
حسن الظن بالله هو حالة قلبية تقوم على الثقة بعدل الله ورحمته، دون إنكار للواقع أو تجاهل للأسباب.
يتجلى حسن الظن في:
- عند الشدائد: الإيمان بأن الفرج بيد الله، وإن تأخر أو جاء على غير ما نحب.
- في الدعاء: التوجه إلى الله بقلب مطمئن، راجٍ للخير، دون استعجال أو يأس.
- في التوبة: اليقين بأن رحمة الله أوسع من الذنوب، كما جاء في قوله تعالى:
«قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ».
حسن الظن لا يعني توقع ما نريده بالضرورة، بل الثقة فيما يختاره الله لنا.
ثانيًا: العلاقة بين ظن العبد وعطاء الله
إن العبد إن ظَنَّ باللهِ خَيرًا فَلَه، وإن ظَنَّ بِه سِوَى ذلك فَلَه، فاللهُ سُبحانَه عِندَ مُنتهَى أمَلِ العَبدِ به، وعلى قَدرِ ظَنِّ واعتِقادِ العَبدِ فيه، ويَكونُ عَطاءُ اللهِ وجَزاؤُه من جِنسِ ما يَظُنُّه العَبدُ في اللهِ ثَوابًا أو عِقابًا، خَيرًا أو شَرًّا، فمَن ظنَّ باللهِ أمرًا عَظيمًا وَجَدَه وأعْطاه اللهُ إيَّاهُ، واللهُ لا يَتعاظَمُه شَيءٌ،وحُسنُ الظَّنِّ باللهِ عزَّ وجلَّ يَكونُ بفِعلِ ما يُوجِبُ فَضلَ اللهِ وَرَجاءَه، فيَعمَلُ الصَّالِحاتِ، ويُحسِنُ الظَّنَّ بأنَّ اللهَ تَعالَى يَقبَلُه، أمَّا أن يُحسِنَ الظَّنَّ وهو لا يَعمَلُ، فهذا من بابِ التَّمَنِّي على اللهِ، ومَن أتبَعَ نَفسَه هَواها، وتَمَنَّى على اللهِ الأمانيَّ فهو عاجِزٌ.
- من ظن بالله خيرًا، عاش مطمئن القلب، راضي النفس.
- ومن ظن بالله رحمة ولطفًا، رأى أثر ذلك في الصبر والثبات.
- ومن أحسن الظن عند المنع قبل العطاء، وجد في قلبه سكينة لا تُشترى.
ليس المقصود أن الإنسان يحدّد ما يعطيه الله، بل أن نظرته إلى الله تحدّد كيف يتلقى أقداره.
ثالثًا: كيف نُفعّل حسن الظن في الحياة اليومية؟
تحويل حسن الظن من مفهوم إلى ممارسة يحتاج وعيًا وتدريبًا:
1. الجمع بين العمل والثقة
الاجتهاد مع التسليم، وبذل السبب مع ترك النتائج لله.
2. إعادة تفسير الأحداث
بدل سؤال: لماذا لم يحدث ما أردت؟
يمكن التساؤل: ما الخير الذي قد يكون خفيًا في هذا الأمر؟
3. الرضا دون استسلام
الرضا لا يعني السكون أو التوقف، بل قبول ما مضى مع الاستمرار في السعي.
4. انتظار الفرج كعبادة
الترقب الهادئ المليء بالأمل لون من ألوان العبادة القلبية.
الخاتمة: الثقة بالله راحة قبل أن تكون نتيجة
كان النبي ﷺ يحب الفأل الحسن، لأن التفاؤل تعبير عن حسن الظن بالله.
وحين يمتلئ القلب ثقة، لا يعود القلق سيد الموقف، بل يصبح الإنسان أكثر هدوءًا في مواجهة أقداره.
حسن الظن لا يغيّر كل الظروف، لكنه يغيّر الإنسان من الداخل، ومن تغيّر داخله، هان عليه ما حوله.
فاملأ قلبك ثقة، ودع التدبير لمن لا يخطئ أبدًا.
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





