مقدمة
في زمنٍ تتصاعد فيه التحذيرات العالمية من تدهور البيئة وانتهاك حقوق الكائنات الحية، يبرز الهدي النبوي الشريف بوصفه منظومة أخلاقية وتشريعية متكاملة، سبقت الفكر البيئي الحديث بأكثر من أربعة عشر قرنًا. فبعثة النبي محمد ﷺ لم تكن مقصورة على تنظيم علاقة الإنسان بربه، بل جاءت لتقيم ميزان الرحمة والعدل في علاقة الإنسان بكل ما حوله: إنسانًا، وحيوانًا، وبيئة.

أولًا: الرفق بالحيوان في السنة النبوية
جعل الإسلام الرحمة بالحيوان عبادة يُثاب عليها، ومعصية يُحاسَب عليها، وأكد النبي ﷺ ذلك قولًا وعملًا:
1. الرحمة بالحيوان سبب للمغفرة
ثبت في الصحيحين أن النبي ﷺ قال: «بينما رجل يمشي بطريق اشتد عليه العطش، فوجد بئرًا فنزل فيها فشرب، ثم خرج فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من العطش، فقال الرجل: لقد بلغ هذا الكلب من العطش مثل الذي كان بلغ مني، فنزل البئر فملأ خفه ماءً فسقى الكلب، فشكر الله له فغفر له». وفي رواية: «فأدخله الجنة».
وهو نصٌّ صريح يقرر أن الإحسان إلى الحيوان قد يكون سببًا لدخول الجنة.
ويؤكد النبي ﷺ شمولية الرحمة في الإسلام بقوله عندما سُئل عن الأجر في الإحسان إلى الحيوانات:
«في كل كبدٍ رطبةٍ أجر» (متفق عليه)،
وهو نص جامع يدل على أن كل إحسان يُقدَّم لأي كائن حي هو عبادة يتقرب بها العبد إلى الله، مما يجعل الرفق بالحيوان وحماية الحياة جزءًا أصيلًا من المنهج الإسلامي.
2. التحذير من القسوة وتعذيب الحيوان
حذّر النبي ﷺ من إيذاء الحيوان أو تعذيبه، فقال ﷺ: «دخلت امرأة النار في هرة حبستها، لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض» (متفق عليه). وفيه تقرير لمسؤولية الإنسان عن كل كائن يقع تحت سلطته.
3. النهي عن اتخاذ الحيوان غرضًا
قال ﷺ: «لعن الله من اتخذ شيئًا فيه الروح غرضًا» (رواه مسلم)، وهو نهي واضح عن العبث بالحيوانات أو استخدامـها للتسلية أو الرماية.
4. حقوق الحيوان العامل
مرّ النبي ﷺ على جمل قد لحق ظهره ببطنه من شدة الجوع، فقال لصاحبه: «اتقِ الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها» (رواه أبو داود). وهو تأصيل مبكر لحقوق الحيوان العامل في الغذاء والراحة وعدم الاستغلال.
ثانيًا: حماية البيئة والاستدامة في السنة النبوية
الوعي البيئي ليس مفهومًا مستحدثًا في الإسلام، بل هو جزء أصيل من التوجيه النبوي:
1. التشجير والزرع عبادة مستمرة
قال النبي ﷺ: «ما من مسلم يغرس غرسًا أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة» (رواه مسلم). وقال ﷺ: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها» (رواه أحمد).
وهو توجيه بالغ العمق يدعو إلى الأمل والعمل الإيجابي حتى آخر لحظة في الحياة.
2. ترشيد استهلاك المياه
كان النبي ﷺ يتوضأ بالمدّ، ويغتسل بالصاع، ونهى عن الإسراف في الماء، وقال لسعد رضي الله عنه لما رآه يُسرف في الوضوء: «ما هذا السرف؟» قال: أفي الوضوء سرف؟ قال: «نعم، وإن كنت على نهر جارٍ» (رواه ابن ماجه).
3. نظافة الطريق وحماية البيئة العامة
قال ﷺ: «إماطة الأذى عن الطريق صدقة» (متفق عليه)، وجعلها شعبة من شعب الإيمان، وهو أساس راسخ لمفهوم المسؤولية المجتمعية والبيئية.
ثالثًا: كيف نُفعّل الهدي النبوي البيئي في عصرنا؟
إن استحضار هذا المنهج النبوي في واقعنا المعاصر واجب شرعي وسلوك حضاري، ومن تطبيقاته:
- تقليل استخدام المواد الضارة بالبيئة والحيوان، كالبلاستيك، امتثالًا لقاعدة «لا ضرر ولا ضرار».
- دعم مبادرات التشجير وحماية المساحات الخضراء بنية الصدقة الجارية.
- نشر ثقافة الرفق بالحيوان في البيوت والمدارس، من خلال تعليم الأطفال سيرة النبي ﷺ العملية مع الكائنات.
- ترسيخ مفهوم أن حماية البيئة عبادة، لا مجرد سلوك مدني.
خاتمة
إن الهدي النبوي الشريف يقدم نموذجًا إنسانيًا عالميًا في الرحمة والاستدامة، يثبت أن الإسلام دين حياة، ودين رحمة، ودين مسؤولية. وما أحوج البشرية اليوم إلى العودة إلى هذا النبع الصافي، لا باعتباره تراثًا تاريخيًا، بل منهجًا عمليًا صالحًا لكل زمان ومكان.
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





