مقدمة
هل فكرت يوماً أن عملك الصالح قد لا يتوقف أثره عندك، بل قد يمتد لأجيال؟ في ديننا الإسلامي، هناك مفهوم “الصدقة الجارية” و”العلم الذي يُنتفع به”، ولكن هناك أيضاً “السنة الحسنة”. في هذا المقال، نسلط الضوء على واحد من أجمع الأحاديث النبوية التي ترسم لنا خارطة الطريق لكسب الأجور المضاعفة والتحذير من الآثام الجارية.

نص الحديث الشريف:
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال:
“مَن دَعا إلى هُدًى، كانَ له مِنَ الأجْرِ مِثْلُ أُجُورِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن أُجُورِهِمْ شيئًا، ومَن دَعا إلى ضَلالَةٍ، كان عليه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثامِ مَن تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذلكَ مِن آثامِهِمْ شيئًا.” (رواه مسلم).
أولاً: ما المقصود بالسنة الحسنة والسنة السيئة؟
يوضح لنا علماء الأمة أن “السنة الحسنة” المذكورة في الحديث ليست ابتداعًا في الدين، بل هي:
- إحياء سنة ثابتة: كأن يبدأ شخص في إحياء صفة الكرم أو المساعدة في مكان غفل الناس فيه عن ذلك.
- ابتكار وسيلة نافعة: تقديم طريقة جديدة تسهل على الناس فعل الخير، كبناء منصات تعليمية أو مبادرات تطوعية منظمة.
- القدوة الحسنة: أن تكون أنت الباعث والسبب لترويج أمر ثابت في الشرع يقتدي به الآخرون.
أما السنة السيئة، فهي البدء بفعل معصية أو إحياء ما يخالف الشرع ويؤدي إلى الضلال. أو فعل ما ليس له أصل في الدين، ويكون فاعله أول من فتحه للناس، فيتحمل وزر فعله ووزر كل من قلده في هذا السلوك الخاطئ.
ثانياً: دروس وعبر من الحديث (الاستثمار الذكي للأجور)
- عظمة الأجر المتكرر: يفتح لك الحديث بابًا للاستثمار مع الله؛ فكلمة طيبة أو نصيحة تقدمها قد يتناقلها الناس، وتظل أجورها تصب في ميزانك وأنت في مكانك.
- التحذير من “السيئات الجارية”: كما أن هناك حسنات جارية، هناك أيضًا آثام جارية (خاصة في عصر السوشيال ميديا)، فنشر محتوى ضال أو تشجيع على سلوك خاطئ يعني تحمل آثام كل من شاهده وتأثر به.تخيل أن تنشر منشورًا سيئًا أو صورة فيراها الملايين على مر السنين تخيل كم سيئة ستحصدها حتى بعد موتك؟!
- رحمة النبي ﷺ بأمته: وجهنا ﷺ لهذا القانون لنحرص دائمًا على أن نكون مفاتيح للخير مغاليق للشر.
ثالثاً: كيف نطبق هذا الحديث في عصرنا الرقمي؟
لتحويل هذا الحديث إلى واقع عملي يرفع من درجاتك:
- نشر المعرفة: شارك معلومة نافعة أو مقالًا مفيدًا (مثل هذا المقال) بنية تعليم الناس.
- المبادرة بالخير: كن أول من يقترح فكرة إيجابية في عملك أو عائلتك.
- التثبت قبل النشر: قبل أن تشارك أي محتوى، اسأل نفسك: “هل أريد أن يتبعني الناس في هذا الأمر؟”.
خاتمة:
إن هذا الحديث الشريف هو دعوة لكل مسلم ليكون “منارة هدى”. تذكر دائمًا أن أثرك في الدنيا لا ينتهي بموتك، بل بما تركته من أثر في قلوب وعقول الآخرين. فاجعل أثرك حسنًا، ولتكن ممن قيل فيهم: “طوبى لمن كان مفتاحًا للخير”.
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول



