الحلقة التاسعة
مقدمة
كانت طفولة النبي ﷺ مرحلة حافلة بالأحداث المؤثرة التي شكّلت ملامح شخصيته المهيأة لحمل الرسالة. فقد ولد يتيمًا بفقد أبيه، ثم فقد أمه وهو في السادسة من عمره، فانتقل إلى كفالة جده عبد المطلب، ثم عاش في رعاية عمه أبي طالب. وتكشف هذه التنقلات المبكرة عن إعداد رباني دقيق، يهيئه لتحمل مسؤولية الدعوة.
وفي هذه الفترة تجلت ملامح بارزة من شخصيته، منها: رعيه للغنم الذي علّمه الصبر وتحمل المشقة، وحضوره بعض الوقائع القبلية التي زودته بخبرة في أعراف العرب، ومشاركته في أحلاف قريش التي أبرزت قيم النصرة والعدالة، فضلًا عن خروجه في تجارة خديجة رضي الله عنها، وهو الحدث الذي أظهر أمانته وصدقه ومهّد لزواجه منها.

النبي ﷺ راعيًا الغنم
عمل النبي ﷺ في صغره برعي الغنم لأهل مكة على قراريط يسيرة، والقيراط هو جزء من الدينار والدرهم. وقد كان ذلك شأن أكثر الأنبياء قبله، كما روى الإمام البخاري في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «مَا بَعَثَ اللَّهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الْغَنَمَ»، قالوا: وأنت؟ قال: «نَعَمْ، كُنْتُ أَرْعَاهَا عَلَى قَرَارِيطَ لِأَهْلِ مَكَّةَ».
الحكمة من رعي النبي ﷺ للغنم
اتفق أهل السيرة على أن اشتغال النبي ﷺ برعي الغنم لم يكن أمرًا عارضًا، وإنما هو لحكمة ربانية بالغة؛ إذ إن مهنة الرعي تغرس في النفس صفات الصبر، والرفق، والقدرة على القيادة، وتحمل المسؤولية وكسب الرزق من عمل اليد.
وقد أشار العلماء إلى أن الرعي يعلّم الراعي التأني في قيادة القطيع، والحرص على الضعفاء، وحماية الجميع من الأخطار. وهذه الصفات لازمة لمن سيقود أمة كاملة. ولهذا قال بعض أهل العلم: إن الله تعالى أراد أن يدرّب نبيه ﷺ على رعاية القلوب كما درّبه أولًا على رعاية الغنم.
كفاح النبي ﷺ منذ الصغر
وعلى الرغم من مكانة النبي ﷺ العائلية الرفيعة، إلا أنه عرف الكفاح منذ نعومة أظفاره، فعمل في سن مبكرة بأعمال شاقة لكسب رزقه، كرعي الغنم.
وقد ذكر ابن سعد في الطبقات الكبرى، والطبري في تاريخه، أن النبي ﷺ كان يتحمل المشاق بصبر عظيم، مكتفيًا بالقليل، ومبتعدًا عن الترف. وقد هيأه هذا لأن يكون أقرب إلى معاناة الفقراء وأشد إحساسًا بآلامهم، حتى نشأ زاهدًا معتمدًا على نفسه، رغم شرف نسبه وعظمة مكانة أسرته في قريش.
مشاركته في حرب الفِجَار
شهد النبي ﷺ حرب الفِجَار وهو في نحو الخامسة عشرة من عمره. ولم يشارك فيها قتالًا مباشرًا، وإنما كان يناول أعمامه النبل. وقد عُرفت هذه الحرب بذلك الاسم لأنها اندلعت في الأشهر الحرم، وهو ما يعدّ اعتداءً على حرمة الزمان.
(حرب الفجار هي إحدى حروب العرب في الجاهلية وحصلت بين قبيلة كنانة ومنها قريش وبين قبائل قيس عيلان ومنهم هوازن وغطفان وسليم وثقيف.وسميت بالفجار لما استحل فيه هذان الحيان من المحارم بينهم في الأشهر الحرم ولما قطعوا فيه من الصلات والأرحام بينهم).
إن حضوره ﷺ لهذه الوقائع المبكرة عرّفه عن قرب بطبيعة الحروب القبلية وما يعتريها من مظالم، وزوّده بخبرة حياتية زادت من وعيه بما عليه مجتمعه من انحرافات تحتاج إلى إصلاح.
حضوره حلف الفضول
ومن أبرز ما شارك فيه النبي ﷺ قبل البعثة حضوره حِلف الفضول، وهو اتفاق اجتمعت فيه قبائل من قريش لنصرة المظلوم وردّ الحقوق إلى أصحابها . وقد قال ﷺ بعد البعثة: «لَقَدْ شَهِدْتُ فِي دَارِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَدْعَانَ حِلْفًا، لَوْ دُعِيتُ بِهِ فِي الإِسْلَامِ لَأَجَبْتُ» (رواه أحمد).
وتدل هذه المشاركة المبكرة على علو مكانة العدل في شخصيته ﷺ، وأنه كان حريصًا منذ صغره على نصرة المظلوم، وهو ما أكدته رسالة الإسلام فيما بعد.
خروجه في تجارة خديجة رضي الله عنها
حين بلغ النبي ﷺ الخامسة والعشرين خرج تاجرًا إلى الشام في مال خديجة رضي الله عنها. قال ابن إسحاق: كانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم. فلما بلغها عن رسول الله ﷺ ما بلغها من صدق حديثه، وعظم أمانته وكرم أخلاقه، بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل مما كانت تعطي غيره من التجار، مع غلام لها يقال له: ميسرة فقبل رسول الله ﷺ منها.
فخرج ﷺ في مالها، ومعه غلامها ميسرة، حتى قدما بُصرى من الشام. فنزلا في ظل شجرة قريبة من صومعة راهب يُقال له: نسطور. فلما رآه الراهب قال لميسرة: من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال: رجل من قريش من أهل الحرم. فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلا نبي. ثم قال له: أفي عينيه حمرة؟ قال: نعم، لا تفارقه. فقال: هو نبي، وهو آخر الأنبياء.
ثم باع النبي ﷺ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، وأقبل قافلًا إلى مكة ومعه ميسرة. وكان الله قد ألقى المحبة في قلب ميسرة، حتى صار كأنه واحد من أتباعه المخلصين. فلما رجع إلى مكة، قصّ على خديجة ما رآه من صدقه وأمانته وكريم أخلاقه وسمو معاملاته، وما نقله الراهب من بشارات حوله. فسرت خديجة بما سمعت، ثم باعت ما جاء به ﷺ من تجارة، فربحت ضعف ما كانت تربح عادة، وأجزلت له في العطاء، فأعطته أضعاف ما كانت تعطي رجلًا من قومه.
وسيأتي في الحلقة القادمة بإذن الله ذكر زواجه المبارك بخديجة رضي الله عنها.
خاتمة
تظهر هذه الوقائع أن حياة النبي ﷺ قبل البعثة لم تكن فترة فراغ، بل كانت إعدادًا متدرجًا لحمل الرسالة الخاتمة. فمن رعي الغنم بما فيه من تربية للنفس، إلى حضور الحروب والأحلاف وما تكشفه من وعي اجتماعي، ثم اشتغاله بالتجارة بما تتطلبه من أمانة وحسن تدبير. كلها تجارب شكلت أساسًا متينًا لمهمته العظمى: تبليغ رسالة الإسلام إلى العالمين.
اقرأ أيضا
{وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟ خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟ القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟ «أنا عند حسن ظن عبدي بي»













[…] طفولة النبيﷺ وعصمة الله له خلال نشأته […]