تمهيد
يُعَدّ التحذير من الشيطان ومنهج إغوائه من الموضوعات المركزية في الخطاب القرآني؛ إذ يرتبط مباشرةً بحفظ الدين وصيانة السلوك الإنساني. ومن أبرز صيغ هذا التحذير قول الله تعالى:
{ يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ } [البقرة: 168]
ويثير التعبير القرآني «خطوات الشيطان» سؤالًا دلاليًا وتربويًا مهمًا:
لماذا وُصِف الاستدراج الشيطاني بالخطوات؟ وما أثر هذا الوصف في بناء الوعي الإيماني والسلوك العملي؟

أولًا: الدلالة اللغوية للتعبير
«الخطوة» في العربية تعني الانتقال بمسافة محدودة بين موضعين، وهي حركة متدرجة بطبيعتها، تفترض بداية ونقطة وصول، وبينهما تتابع.
وعند إضافتها إلى «الشيطان» تتكوّن صورة ذهنية دقيقة:
إغواء لا يحدث فجأة، بل يتم عبر مراحل صغيرة متتابعة.
وهذا الاختيار اللفظي يكشف أن الخطر لا يكمن فقط في النتيجة، بل في الطريق نفسه الذي يُفضي إليها؛ طريق قائم على التدرّج، والتعويد، وإزالة الحواجز النفسية شيئًا فشيئًا.
ثانيًا: التدرّج كآلية للاستدراج
تفيد «الخطوات» أن البداية تكون يسيرة في ظاهرها:
- تساهل بسيط
- فكرة عابرة
- تبرير سريع
لكن مع التكرار تتحول إلى:
ألفة ← عادة ← سلوك ثابت
وهذا يتفق مع قاعدة نفسية مهمة:
👉 الاعتياد يُضعف الاستنكار.
وقد قرّر علماء التزكية أن كثيرًا من الانحرافات الكبرى تبدأ من مقدمات صغيرة لم تُواجَه بحزم.
ثالثًا: لماذا جاءت «خطوات» بصيغة الجمع؟
لم يقل القرآن “خطوة”، بل قال: “خطوات”، وفي ذلك دلالتان عميقتان:
1) التتابع
كل ذنب يفتح الباب لما بعده.
2) التوسع
انتقال تدريجي عبر مراحل:
فكرة ← قول ← فعل ← تكرار ← عادة
وهذا يوضح أن الانحراف ليس حدثًا مفاجئًا، بل مسارًا ممتدًا.
وقد أشار المفسرون إلى أن المقصود جميع طرق الشيطان وأساليبه، مما يدل على شمول التحذير لكل ما يؤدي إلى المعصية.
رابعًا: البعد التربوي — حماية البداية
من أهم الفوائد من هذا التعبير القرآني:
👉 حراسة البدايات قبل النهايات
فمقاومة الخطأ في أول مراحله أسهل بكثير من علاجه بعد التمكن.
ويتجلى ذلك في ثلاث قواعد عملية:
✔ مراقبة الخواطر
قطع الوسوسة في بدايتها قبل أن تتحول إلى نية.
✔ عدم الاستهانة بالصغائر
فهي بوابات لما هو أكبر.
✔ المبادرة إلى التوبة
الرجوع السريع يمنع تراكم “الخطوات”.
خامسًا: البنية المقصدية في الآية
جاء النهي عن اتباع خطوات الشيطان بعد الأمر بالأكل من الحلال الطيب، وهذا ليس عشوائيًا.
بل يشير إلى ارتباط مهم:
👉 طهارة الظاهر تؤثر في نقاء الباطن
فمن يحرص على الحلال في حياته، يكون أقدر على مقاومة الانحراف.
وهذا يبيّن أن الإسلام يربط بين السلوك اليومي والإيمان القلبي في منظومة متكاملة.
سادسًا: قراءة معاصرة للمفهوم
في واقعنا اليوم، تظهر «خطوات الشيطان» بصور حديثة، مثل:
- التدرّج في تمييع القيم
- التهاون بالمخالفات الصغيرة
- التكرار الذي يجعل الخطأ يبدو عاديًا
- إعادة تعريف الحلال والحرام تدريجيًا
لكن يَبقى الميزان ثابتًا:
👉 راقب البداية… تسلم النهاية
🌿 الخاتمة
إن تسمية الاستدراج بـ«خطوات» تكشف منهجًا دقيقًا في الإغواء:
تدرّج يبدأ بالصغير، ثم يكبر مع الوقت.
ومن هنا كان الوعي بالبدايات، وتعظيم أمر الله، والمبادرة إلى التوبة…
هي مفاتيح النجاة.
فالمؤمن الواعي ليس من يقاوم السقوط فقط،
بل من يمنع أول خطوة إليه.
اقرأ أيضا
- مفهوم «خطوات الشيطان» في القرآن الكريم: قراءة تدبّرية وتحليل دلالي

- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟





