رسالة الطمأنينة الإلهية في لحظات الانكسار الإنساني
مقدمة
يمرّ الإنسان في مسيرته الحياتية بلحظات ضعفٍ وفتور، تتكاثف فيها الهموم. وتضيق فيها السبل، فيظنّ – بضعف بشري – أن الفرج قد تأخر، أو أن العناية الإلهية قد ابتعدت. وفي خضمّ هذه المشاعر، يبرز القرآن الكريم بوصفه مصدر الهداية والسكينة، حاملًا خطابًا ربانيًا يعيد للنفس توازنها ويوقظ فيها الأمل.
ومن أبلغ الآيات القرآنية أثرًا في هذا الباب، قوله تعالى في سورة الضحى:
﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: 3].
وهي آية قصيرة في ألفاظها، عظيمة في معانيها، تحمل رسالة طمأنينة متجددة لكل من طرق قلبه القلق أو ساوره الشعور بالخذلان.

أولًا: السياق القرآني ومعنى الآية
نزلت سورة الضحى بعد فترةٍ من انقطاع الوحي عن النبي ﷺ، وهي فترة يسيرة لحكمةٍ إلهية، إلا أنها كانت كافية لأن يستغلها المشركون في الطعن والتشكيك، زاعمين أن الله قد ترك نبيه أو أبغضه. فجاء هذا النص القرآني قاطعًا لكل وهم، ومثبتًا لعقيدة الرعاية الإلهية المستمرة.
وقد أجمع المفسرون، ومنهم الإمام ابن كثير والطبري، على أن قوله تعالى:
- ﴿ما ودعك ربك﴾ نفيٌ قاطع لفكرة الترك والانقطاع،
- و**﴿وما قلى﴾** نفيٌ للبغض والكراهية،
وفي ذلك تأكيد أن تأخر بعض مظاهر الفضل أو الوحي لا يعني غياب العناية، بل هو جزء من التدبير الرباني الحكيم.
ثانياً: دلالات الآية في العقيدة والسلوك
لا يقتصر خطاب هذه الآية على النبي ﷺ وحده، بل يمتد أثره ليشمل كل مؤمن، باعتبار أن سنن الله في الابتلاء والرعاية واحدة.
ومن أهم معانيها:
- أن محبة الله لعبده لا تزول بتعثرٍ أو ابتلاء.
- أن تأخر الفرج لا يدل على الخذلان، بل قد يكون تمهيدًا لعطاء أعظم.
- أن العلاقة بين العبد وربه قائمة على الرحمة واللطف، لا على القطيعة والهجر.
وهذا المعنى تؤكده نصوص قرآنية أخرى، مثل قوله تعالى:
﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5]. وهنا تأمل في هذه الآية العظيمة.
وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: 19].
ثالثاً: تطبيقات تربوية وإيمانية معاصرة
1. في أوقات الشدة والضيق
عندما تتعثر الأسباب، أو تتأخر النتائج، يحتاج المؤمن إلى استحضار هذا الأصل الإيماني: أن الله لم يتركه، وأن التدبير الإلهي يجري بما لا تدركه العقول المحدودة.
2. في تربية النفس والأبناء
تعلمنا الآية قيمة الحضور الداعم وعدم ربط القبول بالمثالية. فالخطأ لا يعني الرفض، والتقصير لا يعني القطيعة، وهو منهج تربوي مستمد من الفهم الصحيح للرحمة الإلهية.
3. في العلاقات الإنسانية
إذا كان الله سبحانه – مع كماله وغناه – لا يودّع عبده عند ضعفه، فإن من أولى أخلاق المؤمن أن يتحلى بالرفق، وسعة الصدر، وحسن الظن، وألا يجعل الخلاف سببًا للهجر أو القسوة.
خاتمة
إن قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ ليس مجرد تعبير بلاغي، بل أصلٌ عقدي، وملاذٌ نفسي، وقاعدة إيمانية تُصلح القلوب عند اضطرابها.
وكلما داهم الإنسان شعور بالوحدة أو الفتور، فإن الرجوع إلى هذه الآية يعيد ترتيب الداخل، ويجدد الثقة بالله، ويؤكد أن الرعاية الإلهية لا تنقطع، وإن خفيت حكمتها.
فطوبى لقلبٍ أيقن أن الله لا يترك عباده، ولا يقلي من لجأ إليه، وأن رحمته أوسع من كل ظن، وأبقى من كل ألم.
اقرأ أيضًا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





