مقدمة
في زمنٍ امتلأت فيه الشاشات بصورٍ لنجاحاتٍ متتالية، وابتساماتٍ لا تنطفئ، وحياةٍ تبدو كاملة من الخارج؛ صار القلب يعيش صراعًا خفيًا بين ما يراه وبين ما يشعر به. ومع كل نظرة إلى عالم السوشيال ميديا، تزداد المقارنة، ويضعف الرضا، ويعلو صوت السؤال: لماذا ليس عندي ما عندهم؟.وتنشأ ظاهرة نفسية خطيرة تسمّى قلق المقارنة الرقمية؛ ذلك الشعور الذي يجعل الإنسان يراقب حياة الآخرين حتى يفقد إحساسه بحياته هو.
لكن الإيمان، حين يستقر في القلب، يتحوّل إلى نور يهدي البصر والبصيرة معًا.
وحين يقول العبد بصدق: “رضيتُ بالله ربًّا”، تتغير طريقة نظره للعالم… فلا يرى نفسه ناقصًا أمام أحد، ولا يرى نعم الله عليه قليلة، ولا يسمح لصخب الصور بأن يسرق منه طمأنينة الرضا.
فهل يمكن للإيمان أن يطفئ قلق المقارنة الرقمية؟
وهل يمكن للرضا بالله أن يعيد للقلب توازنه وسط هذا الزخم من المعايير الزائفة؟
هذا ما يحاوله المقال، بلمسة إيمانية تُعيد ترتيب المشاعر، وتُذكّر القلب بمنتهاه الحقيقي… عند الله.

🌑 1. لعنة الكمال: حين تسرق المقارنة بركة النعم
المقارنة على وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد مجرد نظرة خاطفة… إنها عملية هدم داخلي بطيئة:
- رؤية نعم الآخرين ونسيان نعمك
ت scroll على الشاشة، فتظن أن الجميع يعيشون أجمل منك، ويحققون أكثر منك، وينجحون أسرع منك. وهنا يبدأ القلب يفقد قدرته على رؤية نعم الله عليه. - تضييق رحمة الله
عندما ينشغل الإنسان بما فاته، يضيق على نفسه سعة رحمة الله، فيبتعد قلبه عن الشكر، ويزداد شعوره بالنقص مهما امتلك. - الخوف من الفوات (FOMO)
تلك الحالة التي تجعلك تشعر أنك “متأخر عن الجميع”، وكأن هناك سباقًا عالميًا للنجاح لم تشترك فيه بعد. هذا الخوف يصنع قلقًا مستمرًا… خوف من أن الحياة تجري وأنت لا تزال في مكانك.
🛡️ 2. الدرع الإيماني: كيف يحمي التوكل القلب من المقارنة؟
الإيمان لا يلغي التحديات، لكنه يمنح القلب زاوية رؤية مختلفة.
أ. “انظروا إلى من هو أسفل منكم” — العلاج النبوي
قال النبي ﷺ:
“انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم”.
هذا الحديث هو أقوى “فلتر” يمكن أن يستخدمه القلب:
بدلًا من مقارنة نفسك بمن يملك أكثر، قارن نفسك بمن حُرم مما تملك أنت الآن. هنا يبدأ الشكر… ويبدأ الرضا.
ب. سنة الله في الابتلاء — لا شيء يحدث عبثًا
الإيمان بأن كل ما يصيبك هو جزء من حكمة إلهية يزيل الخوف من المستقبل.
البلاء ليس علامة غضب، ولا النجاح الدنيوي علامة رضا مطلق.
تكرار الدعاء النبوي:
“يا رب… إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي”
يجعل القلب متزنًا مهما تغيرت الظروف.
3. الطمأنينة الحقيقية: النجاح الذي يبدأ من الداخل
الإسلام لا يرفض الطموح… لكنه يعيد تعريف النجاح.
- النجاح الداخلي قبل الخارجي
النجاح الحقيقي يبدأ عندما تصلح ما بينك وبين الله.
إذا استقام الداخل، هانت تقلبات الخارج. - آية تطفئ كل شعور بالنقص
قوله تعالى:
“لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ”
هي رسالة لكل قلب أثقلته المقارنات وجرّحته معايير السوشيال ميديا. - الرضا… السلاح الذي لا يُهزم
عندما تقول بصدق:
“رضيتُ بالله ربًّا”
فأنت تعلن أنك لن تقيس نفسك بمعايير مزيفة، وأن قلبك وجد ميزانه عند الله… لا عند البشر.
الخلاصة
لن تمنحك الشاشات طمأنينة، ولن تشتري منصات التواصل راحة بالك.
السلام الحقيقي يبدأ عندما تغلق باب المقارنة، وتفتح باب الرضا، وتوقن أن الله يعلم سعيك، ويرى تعبك، وأن رحمته ليست مرتبطة بعدد المتابعين، ولا بإنجازات الآخرين، بل بقلبك أنت… وصدق نيتك.
“السعادة ليست فيما يراه الناس… بل فيما يراه الله في قلبك.”
اقرأ أيضا
- {وَأَن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ}: فلسفة الخير في مدرسة الصيام

- السبع الموبقات: المهلكات التي تُدمّر الإيمان والمجتمع

- تأملات في قوله تعالى: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾

- الرفق بالحيوان وحماية البيئة في الهدي النبوي | تشريع إسلامي سبق العصر الحديث

- الرفق النبوي: كيف غيّر النبي ﷺ القلوب بلين الجانب؟

- خُلُق الرحمة: كيف احتوى النبي ﷺ القلوب قبل العقول؟

- القلق الغامض قبل البعثة النبوية ومقدمات البعثة

- حفظُ الله تعالى لنبيِّه ﷺ من أدران الجاهلية

- بناء الكعبة وقضية التحكيم: كيف أنقذت حكمة النبي ﷺ مكة من حربٍ ضروس؟

- «أنا عند حسن ظن عبدي بي»

- كيف واجه النبي ﷺ ضيق الصدر؟

- جبر الخواطر.. عبادة خفية وأثر لا يزول





