تمضي بنا الحياة في رحلتها، نتقلّب في نعم الله، نحيا بين طاعاتٍ وزلات، ونجتهد أحيانًا ونغفل أحيانًا أخرى.
تأخذنا دوامة الأيام، فننسى ما مضى من أعمالنا… ننسى المعروف الذي قدمناه، أو الأذى الذي صدر منا.
لكن هل ينساه الله؟
الجواب تجده في قوله تعالى:
﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64]
كل صغيرة وكبيرة فعلتها في دنياك ستجدها يوم القيامة في كتابك ستقف بين يدي الله وترى جميع أعمالك لا تنكر منها شيئا.
يقول الله تعالى في سورة المجادلة:
﴿ يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا ۚ أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ۚ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ ﴾ [المجادلة: 6]
آية تُزلزل الغافل، وتفتح بصيرة المؤمن. وتبيّن دقة الحساب الإلهي الذي لا يغيب عنه شيء.

📖 معنى الآية في كتب التفسير
قال الإمام ابن كثير رحمه الله:
“أي: يذكّرهم الله تعالى بجميع أعمالهم التي نسوها، فيجدونها محصاةً في صحفهم، لا يغادر منها صغيرة ولا كبيرة.”
وقال الإمام السعدي رحمه الله:
“أحصاه الله أي علمه وكتبه وضيّفه عليهم، ونسوه أي تركوه وأهملوه، فجازاهم الله على نسيانهم بالإحصاء الدقيق.”
أما القرطبي فقال:
“الآية تذكير للعبد بأن كل ما يعمله في الدنيا محفوظ عليه، وإن نسيه، فالله لا ينسى، وهو سبحانه شهيد على أقوالهم وأفعالهم وسرائرهم.”
إنها آية تكشف دقّة علم الله وعدله؛ فمهما خفي عن الناس عملك، فإنه لا يخفى على الله الذي أحصاه وسجّله، وسيذكّرك به يوم تلقاه.
🌱 من معاني “أحصاه الله”
كلمة “أحصاه” في اللغة تشمل العلم والكتابة والحفظ.
قال الطبري:
“أحصاه الله أي كتب كل عمل عليهم، وأثبتَه في صحائفهم، فلا يضيع منه شيء.”
فهي ليست مجرد إشارة إلى العدّ، بل إلى تسجيلٍ شاملٍ لكل ما يصدر عن الإنسان:
من قولٍ أو فعلٍ أو نية، بل وحتى ما خطر في القلب.
“ونسوه”… ضعف الإنسان وغفلة القلب
قال العلماء: “نسوه” أي تركوه ولم يبالوا به، أو غفلوا عنه لطول الأمد.
فالإنسان ينسى ذنوبه كما ينسى كلامه القديم،
لكن الله لا ينسى شيئًا:
﴿ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى ﴾ [طه: 52]
تأمل هذا المشهد الذي وصفه الله في سورة الكهف:
﴿ وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا ﴾
تُرى تلك اللحظة التي يتفاجأ فيها الإنسان بأعمالٍ قد نسيها تمامًا، لكنها ما زالت محفوظة كما هي، شاهدًا عليه أو له.
تأملات تربوية من الآية
هذه الآية تحيي في قلوبنا مراقبة الله تعالى في كل أعمالنا وأقوالنا.
فإذا كان الله يُحصي كل شيء، فلتكن أعمالنا مما يُسعدنا أن نراه يوم القيامة.
قال ابن القيم رحمه الله:
“من راقب الله في خلواته أصلح الله له علانيته، ومن علم أن الله يحصي عليه أنفاسه استحيا أن يراه على معصية.”
ولهذا كان السلف يقولون:
“حاسبوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزنوها قبل أن توزن عليكم.”
وفي الختام
حين تمرّ بك لحظة غفلة، أو تهمّ بذنب تظن أنه صغير،
فتذكّر أن هناك من أحصاه، وإن نسيته أنت.
ومع ذلك، فباب التوبة مفتوح، والله يغفر الذنب مهما عَظُم لمن تاب وأناب.
فهو سبحانه القائل:
﴿ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ﴾ [الزمر: 53]
فلتكن هذه الآية دافعا لنا لمراجعة النفس والتوبة، لا للخوف فقط،
ولنملأ صحائفنا بما نحب أن نلقاه غدًا عند ربٍّ لا ينسى.وبما يُسعد نبينا محمد ﷺ حين نلقاه.
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





