في لحظات الشدة، حين يضيق الصدر وتتزاحم الهموم وتشتد الكروب، يبحث الإنسان عن كلمة تطمئنه وتعيد إليه اتزانه.
ومن أعظم الكلمات التي قالها النبي ﷺ في لحظة من أشد لحظات الابتلاء:
«إن لم يكن بك عليَّ غضبٌ فلا أُبالي»
قالها وهو خارج من الطائف مُدمّى القدمين، مطرودًا مكروبًا، بعد أن لاقى أذىً شديدًا من أهلها.
ومع ذلك… لم ينظر ﷺ إلى ألم الجسد، ولا إلى سوء معاملة الناس، بل كان كل همه:
هل ما أصابه من الله غضب؟ أم أنه ابتلاء وامتحان؟

معنى الحديث: ميزان يهدّئ الروح
هذا الدعاء يكشف أعظم درس في حياة المسلم:
أن وجود الابتلاء لا يعني غضب الله.
وأن المهم في كل محنة:
حال قلبك مع الله، لا حال الدنيا من حولك.
فالإنسان قد يبتلى:
بمرض أو ضيق رزق أو بمشكلات في عمله وعلاقاته مع الناس أو تعب داخلي لا يعلمه إلا الله.
لكن ما دام هذا كله ليس علامة على غضب الله…
فهو ابتلاء يرفع الدرجات، ويطهّر القلب من الذنوب، ويقرب العبد من الله .
كيف يساعدك هذا الحديث على الصبر؟
1) لأنه يغيّر طريقة تفكيرك في الابتلاء
الإنسان أحيانًا ينهار ليس من شدة المصيبة، بل من شعوره بأنها “عقاب”.
لكن حين يفهم أن الابتلاء قد يكون محبة ورحمة، تهدأ النفس.
2) لأنه يذكّرك أن رضا الله هو الأصل
إذا رضي الله، هان كل شيء…
وإذا غضب الله، لم ينفع الإنسانَ شيء.
النبي ﷺ كان يقول — رغم الألم والجرح — :”إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي”
أي لا يهمني ما يحدث، المهم أن يكون قلبك راضيًا عني يا رب.
3) لأنه يعطيك قوة الاستمرار
من يعرف أن الله يراه، ويسمعه، ويختبر صبره…
لا يسقط، ولا ييأس، ولا ينكسر؛
لأنه يعلم أن خلف كل شدة منحة، وخلف كل دمعة فرج.
4) لأنه يدفعك لمراجعة علاقتك مع الله
حين يقع الابتلاء، يبدأ المؤمن بسؤال نفسه:
هل هذا عقاب أم ابتلاء رحمة؟
والجواب يكون دائمًا في:
صلاتك – قلبك – تركك للذنوب – قربك من الله.
فإن وجدت قلبك متعلقًا بالله، فاعلم أنها تصفية ورحمة ورفعة.
لماذا ترتاح النفس عندما تتأكد أن الابتلاء ليس غضبًا من الله؟
لأن الإنسان من داخله لا يخاف الألم بقدر ما يخاف “الرفض” من الله.
كل ما يريده المؤمن هو محبة الله ورضاه.
فإذا علم أن الله يحبه…
فما قيمة ضيق الدنيا كلها؟
حينها يصبح الدعاء:
“إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي”
مجرد كلمات… بل منهج حياة.
كيف تطبق هذا الحديث في حياتك؟
1) راقب قلبك عند المصيبة
لا تقل: “ربنا غضبان عليّ”
بل قل:
اللهم اجعل هذا ابتلاء رحمة، لا ابتلاء غضب.
2) حافظ على الصلاة والذكر حتى في أصعب الظروف
القلوب تُشفى بالقرب من الله…
لا بالهروب.
3) لا تربط قيمتك بنظرة الناس
قد يتركك الناس، يتخلّون عنك، يسيئون إليك…
لكن الأهم: هل الله راضٍ عنك؟
4) تيقّن أن الفرج يأتي بعد الصبر
وما صبر نبي إلا أعقبه الله فرجًا…
فما بالك بعبد يرجو رحمه ربه؟
خلاصة المقال
هذا الدعاء العظيم ليس كلمات تُقال في المحن…
بل هو ميزان حياة:
إن أحبك الله… فلا يضرك شيء
وإن غضب الله… فلا ينفعك شيء
لذلك، حين تشتد عليك الدنيا، وتكثر التخبطات، وتتعقد الأمور…
ارفع يدك وقل بقلب صادق:
يا رب… إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي. ولكن عافيتك أوسع لي.
وستجد — مع تكراره — أن قلبك يثبت، وروحك تهدأ، وطمأنينة عجيبة تنزل عليك…
لأنك ربطت نفسك بأعظم حقيقة في الوجود: رضا الله.
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





