مقدمة
من أعظم الأحداث المرتبطة بسيرة النبي ﷺ حادثة شق صدره الشريف، وهي معجزة بيّنة تكررت في حياته أكثر من مرة. وقد حملت هذه الحادثة دلالات عظيمة في تطهير قلبه وإعداده لحمل أمانة الرسالة.

متى وقعت الحادثة
وَقَعَتْ حَادَثِةُ شَقِّ صَدْرِ الرَّسُولِ ﷺ، وهُوَ فِي بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ وهو عند مرضعته حليمة السعدية وكان عمره بين الرابعة والخامسة.
روى مسلم عن أنس أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل، وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه -أي جمعه- وضمَّ بعضه على بعض..ثم أعاده إلى مكانه، فلما رآه الغلمان انطلقوا إلى حليمة فقالوا: إن محمدا قد قتل!، فاستقبلوه وهو منتقع اللون -أي مُتَغَيِّر اللون-.قَالَ أنَسٌ: وقَدْ كُنْتُ أَرَى أَثَرَ ذَلِكَ المَخِيطِ فِي صَدْرِهِ.
أما الحكمة من شق صدره ﷺ وهو صغير، فكانت تطهير قلبه من حظ الشيطان الذي وُضع في قلوب البشر، فنشأ ﷺ كاملاً معصوماً من تسلط الشيطان.
ورجّح العلماء أن شق الصدر وقع مرتين: الأولى في الطفولة، والثانية ليلة الإسراء والمعراج ، إعدادًا له ﷺ لمشاهدة ملكوت السماوات.
خاتم النبوة
هُوَ عَلَامَةٌ مِنْ عَلَامَاتِهِ ﷺ النَّبَوِيَّةِ في الكُتُبِ السَّابِقَةِ. وهو عبارة عن قطعة لحم بارزة بحجم بيضة الحمامة عند كتفه الأيسر. ختمه الملك على كتفه بعدما شق صدره واستخرج منه العلقة السوداء.
* عَوْدَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى أُمِّهِ الحَنُونِ آمَنَةَ:
وَبَعْدَ حَادِثِ شَقِّ صَدْرِهِ الشَّرِيفِ ﷺ خَشِيَتْ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ، من أن يصيبه مكروه وقال لها زوجها رديه لأهله. فأسرعوا به إلى أمه فقالت آمنة لحليمة ما الذي جعلك ترديه الآن بعد أن كنت أحرص الناس على بقائه معك؟. فقالت حليمة إنه قد كبر الآن وقد تخوفت عليه الأحداث فقالت لها آمنة اصدقيني القول. قالَتْ حَلِيمَةُ: فَلَمْ تَدَعْنِي حتَّي أَخْبَرتُهَا، فقَالَتْ آمِنَةُ: أَفتَخَوَّفْتِ عَلَيْهِ الشَّيْطَانَ؟
قالَتْ حَلِيمَةُ: نَعَمْ، فَقَالَتْ آمِنَةُ: كَلَّا، وَاللَّهِ مَا لِلشَّيْطَانِ عَلَيْهِ مِنْ سَبِيلٍ، وَإِنَّ لِابْنِي لَشَأْنًا دَعِيهِ عَنْكِ. وهكذا رجع رسول الله لأمه الحنون آمنة.
* وَفَاةُ آمِنَةَ أُمِّ النَّبِيِّ ﷺ:
لما بلغ النبي ست سنوات أخذته أمه آمنة في رحلة إلى المدينة لزيارة أخواله ومعها حاضنته أم أيمن. ومكثوا هناك شهرا وفي طريق عودتهم مرضت آمنة وتوفيت في مكان يقال له “الأبواء”.
*كَفَالَةُ جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ
لَمَّا تُوُفِّيَتْ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبٍ أُمُّ النَّبِيِّ ﷺ رَجَعَتْ أُمُّ أَيْمَنَ بِالنَّبِيِّ ﷺ إِلَى مَكَّةَ، فَضَمَّهُ، وَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ.ورَقَّ عَلَيْهِ رِقَّةً لَمْ يَرِقَّهَا عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَوْلَادِهِ. وَكَانَ يُقَرِّبُهُ مِنْهُ ويُدْنِيهِ، ويَدْخُلُ عَلْيِه إِذَا خَلَا، وَإِذَا نَامَ، وَكَانَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا إِلَّا قَالَ: عَلَيَّ بِابْنِي فَيُؤْتَى بِهِ ﷺ إِلَيْهِ. وكان يخاف عليه خوفا شديدا ولا يحب أن يفارقه أبدا.
* جُلُوسُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى فِرَاشِ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
وكان لعبد المطلب فراش يفرش في ظل الكعبة، فكان بنوه يجلسون حول فراشه ذلك حتى يخرج إليه، لا يجلس عليه أحد من بنيه إجلالا له. فكان ﷺ يأتي وهو غلام صغير حتى يجلس عليه، فيأخذه أعمامه ليؤخروه عنه، فيقول عبد المطلب إذا رأى ذلك منهم: دعوا ابني هذا فو الله إن له لشأنا. ثم يجلس معه على فراشه، ويمسح ظهره بيده ويسره ما يراه يصنع.
* وَفَاةُ عَبْدِ المُطَّلِبِ:
ولَمَّا بَلَغَ الرَّسُولُ ﷺ ثَمَانِي سَنَوَاتٍ تُوُفِّيَ جَدُّهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ.ورأى قبل وفاته أنه يعهد بكفالة حفيده إلى عمه أبي طالب شقيق أبيه.
* كَفَالَةُ أَبِي طَالِبٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ :
ضم أبو طالب النبي ﷺ إلى بيته، وكان يحبه حبًا عظيمًا يفوق حبه لأولاده. وكان لا ينام إلا بجواره، ولا يخرج إلا معه، ويخصه بالطعام. وكان إذا حضر النبي ﷺ مائدة الطعام مع أولاد أبي طالب شبعوا جميعًا، وإن غاب لم يشبعوا، فكان أبو طالب يقول لهم: انتظروا حتى يحضر ابني.فَيَأْتِي رسُولُ اللَّهِ ﷺ فَيَأْكُلَ مَعَهُمْ فيشبعوا جميعا وذلك من بركته ﷺ.
سفر النبي ﷺ مع أبي طالب إلى الشام:
وعندما بلغ النبي ﷺ الثانية عشرة، خرج مع عمه أبي طالب في رحلة تجارية إلى الشام. وقد وردت في بعض كتب السيرة قصة لقائه بالراهب “بحيرا”، لكن الراجح عند المحققين أن هذه القصة غير ثابتة من الناحية الحديثية.




