حفر بئر زمزم وحادثة الفيل

الحلقة الخامسة

مِنْ أهَمِّ الأحْدَاثِ التِي وَقَعَتْ فِي حَيَاةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ أمْرَانِ: حَفْرُ بِئْرِ زَمْزَمَ، وحَادِثُ الفِيلِ

بئر زمزم

رأى عبد المطلب في المنام عدة مرات من يأمره بحفر بئر سماها له مرة طَيْبَة، ومرة بَرَّة، ومرة المَضْنُونَة، حتى جاءه في آخر مرة وقال  احْفِرْ زَمْزَمَ (سُميت بذلك لكَثْرَةِ مائِهَا) قَالَ: قُلْتُ: ومَا زَمْزَمُ؟ قال: لَا تُنْزَفُ (أي لا يَفْنَى ماؤُهَا) أبَدًا، ولَا تُذَمُّ (أي لا تُعَابُ.) تَسْقِي الحَجِيجَ الأعْظَمَ.

فلما عرف شأنها ومكانها ذهب عبد المطلب يحفر ومعه ابنه الحارث (ولم يكن له ابن غيره آنذاك). وحين وجد موضع الماء كبّر، فعلمت قريش أنه وجدها فقاموا إليه فَقَالُوا: يَا عَبْدَ المُطَّلِبِ إنَّهَا بِئْرُ أبِينَا إسْمَاعِيلَ، وإنَّ لَنَا فِيهَا حَقًّا فَأَشْرِكْنَا مَعَكَ فِيهَا، فَقَالَ: مَا أنَا بِفَاعِلٍ، إِن هَذَا الأَمْرَ قَدْ خُصِصْتُ بِهِ دُونَكُمْ، وأُعْطِيتُهُ مِنْ بَيْنِكُمْ، فَقَالُوا لَهُ: فأنْصِفْنَا فَإِنَّا غَيْرُ تَارِكِيكَ حَتَّى نُخَاصِمَكَ فِيهَا، قَالَ: فَاجْعَلُوا بَيْنِي وبَيْنَكُمْ مَنْ شِئْتُمْ أُحَاكِمُكُمْ إلَيْهِ، قَالُوا: كَاهِنَةُ بَنِي سَعْدٍ “هُذَيْمٌ” وكانت امرأة لها صلة بالجن يحتكمون إليها.

رحلتهم إلى الكاهنة

فخرجوا إليها وفي الطريق نفد ماء عبد المطلب ومن معه، حتى كادوا يهلكون عطشًا، فَاسْتَسْقَوْا مَنْ مَعَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ فرفضوا إعطاءهم الماء خوفًا من نفاذ مائهم . عندها أشار عبد المطلب على أصحابه أن يحفر كل واحد منهم قبره استعدادًا للموت فَحَفَرُوا القُبُورَ، ثُمَّ قَعَدُوا يَنْتَظِرُونَ المَوْتَ عَطَشًا.

ثم قال لهم: إن هذا لعجز أن نستسلم فارتحلوا لعل الله يرزقنا الماء ببعض البلاد فركب ناقته وتحركت، فإذا بعين ماء عذب تنفجر من تحت قدمها. فشربوا واستقوا،ثُمَّ دَعَا القَبَائِلَ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَالَ لَهُمْ: هَلُمُّوا إِلَى المَاءِ، فَقَدْ سَقَانَا اللَّهُ، فَشَرِبُوا واسْتَقَوْا، وعَرَفُوا فَضْلَ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فَقَالُوا لَهُ: قَدْ وَاللَّهِ قُضِيَ لَكَ عَلَيْنَا يَا عَبْدَ الْمُطَّلِبِ،إن الذي سقاك الماء في هذه الصحراء لهو الذي اختصك بزمزم وَاللَّهِ لَا نُخَاصِمُكَ فِيها أَبَدًا.. فعادوا دون الذهاب إلى الكاهنة.

نذر عبد المطلب


بعد هذه الحادثة نذر عبد المطلب: إن رزقه الله عشرة أبناء يبلغون مبلغًا يستطيعون أن يمنعوه ويحموه، لينحرنّ أحدهم قربانًا عند الكعبة.
وردت بعض الروايات الضعيفة التي لم تثبت؛ منها: أنّ عبد المطلب وجد عندما حفر زمزم غزالًا وسلاحًا من ذهب.

حادثة الفيل


حادثة الفيل كانت حدثًا تاريخيًا عظيمًا لم يشهد العرب مثله، وكانت إشارة إلى شرف الكعبة وأهميتها، وتمهيدًا لظهور حدث أعظم وهو بعثة النبي ﷺ.
بدأت القصة عندما رأى أبرهة الحبشي عامل النجاشي على اليمن أن العرب يحجون إلى الكعبة بنى كنيسة ضخمة في صنعاء اسمها “القُلَّيْس”،وزينها ودعا الناس ليحجوا إليها ثُمَّ كَتَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ: إنِّي قَدْ بَنَيْتُ لَكَ أيُّهَا المَلِكُ كَنِيسَةً لَمْ يُبْنَ مِثْلُهَا لِمَلِكٍ كَانَ قَبْلَكَ، ولَسْتُ بِمُنْتَهٍ حتَّى أَصْرِفَ إلَيْهَا حَجَّ العَرَبِ.

فلَمَّا تَحَدَّثَتِ العَرَبُ بِكِتَابِ أبْرَهَةَ ذَلِكَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، سَمِعَ رَجُلٌ مِنْ كنانة فذهب إلى بناء أبرهة التي لم يحج إليه أحد من الناس وقام بتلطيخه بالعذرة فغضب أبرهة وحلف ليسيرن إلى الكعبة ليهدمها جهز جيشا ضخما عدده ستون ألفا من الجنود وعدد من الفيلة واختار لنفسه أكبر الفيلة وتوجه إلى مكة فنزل قريبا منها واستولى على كل ما قابله من أموال لقريش من أغنام وإبل ومنها مائتا بعير لعبد المطلب فاجتمعت قريش تريد القتال ولكنهم علموا أن الجيش ضخم جدا ولا طاقة لهم بملاقاته.

مقابلة عبد المطلب لأبرهة

فانطلق عبد المطلب يريد مقابلة أبرهة وكان عبد المطلب من أجمل الناس وأعظمهم وأوسمهم فلما رآه أبرهه أجلَّه وأعظمه ونزل من على كرسيه ليجلس بجواره وقال للترجمان :سله ما حاجته ؟ فتكلم عبد المطلب وقال لي مائتي بعير أريدها . فقال أبرهة: كنت قد أعجبتني حينما دخلت عليّ أما الآن فلا.. أتكلمني في بعيرك وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك !! قال له عبد المطلب: أما الإبل فإنها لي وأنا ربها (أي صاحبها) وأما البيت فله رب يحميه.. فقال أبرهة لن يحميه مني ..أعاد أبرهة الإبل لعبد المطلب، فجعلها هديًا في الحرم، ثم دعا الله عند الكعبة أن يحمي بيته. وأمر قريش بالتفرق في الشعاب والجبال لتجنّب أذى الجيش.

الطير الأبابيل وهلاك الجيش


انطلق الجيش يريد دخول مكة فبرك الفيل في مكانه ورفض التقدّم نحو الكعبة رغم كل المحاولات. فظلوا يضربوه ليتقدم ولكنه لم يتحرك وكانوا كلما وجهوه ناحية الجنوب أو الشرق أو الشمال يقوم يجري وعندما يوجهوه ناحية الكعبة يبرك مكانه وأرسل الله عليهم طيرا أبابيل كثيره يحمل كل منها ثلاثة حجارة صغيرة حجر في منقاره وحجران في رجليه مثل الحمص لا يصب أحدا منهم حجر إلا تتقطع أعضاؤه ويموت والباقي فر هاربا وماتوا في الطريق ومات أبرهة نفسه بداءٍ قطّع أنامله ومات شرّ ميتة. وعادت قريش إلى بيوتهم آمنين وكانت هذه الحادثة في شهر المحرم قبل ميلاد النبي بحوالي خمسين يوما.

نتائج الحادثة وأهميتها


بعد هذه الحادثة، عظّم العرب قريشًا أكثر، وازدادوا تقديرًا للكعبة، وصاروا يؤرخون بهذه السنة المعروفة بـ«عام الفيل»،
وكانت هذه مقدمة لبعثة النبي ﷺ الذي جاء ليطهّر الكعبة من الأصنام ويعيد لها مكانتها.