مقدمة
يُعَدّ زواج النبي محمد ﷺ من السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها من أبرز المحطات في سيرته المباركة، إذ مثّل هذا الزواج نقطة تحوّل مهمة في حياته قبل البعثة. وجاء شاهدًا على نبل أخلاقه، ومصداقًا لِما عُرِف عنه من صدق وأمانة، كما كان بداية حياة أسرية قائمة على المودة والرحمة والدعم المتبادل.

مكانة خديجة رضي الله عنها قبل الزواج
كانت خديجة بنت خويلد رضي الله عنها تُسَمَّى سَيِّدَةَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ، وتُسَمَّى الطَّاهِرَةَ وذلك لشدة عفافها، وكانت نقية ذات عقل واسع، وحسب. وكانت تاجرة ذات مال وفير، تُرسل تجارتها مع الرجال مقابل نسبة معلومة. لما سمعت بعظيم أمانة رسول الله ﷺ وصدقه في التعامل وحسن أخلاقه، اختارته ليخرج بتجارتها إلى الشام، فعاد بربح كبير، وزادت شهادات معاونيها في وصف نزاهته وأمانته إعجابها به.
دور الوساطة وبداية الزواج
رغبت خديجة رضي الله عنها في الزواج من محمد ﷺ بعدما رأت فيه خُلقًا رفيعًا وعفة نادرة، فَحَدَّثَتْ بِمَا في نَفْسِهَا إلى صَدِيقَتِهَا نَفِيسَةَ بِنْتِ مُنَيَّةَ، فَذَهَبَتْ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وعَرَضَتْ عَلَيْهِ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ فَرَضِيَ ﷺ بِذَلِكَ.
تَرْوِي لنا نفيسة هذه القصة وتقول:كَانَتْ خَدِيجةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ امْرَأَةً حَازِمَةً، شَرِيفَةً، مَعَ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَا مِنَ الكَرَامَةِ والخَيْرِ، وهِيَ يَوْمَئِذٍ أوْسَطُ قُرَيْشٍ نَسَبًا، وأعْظَمَهُمْ شَرَفًا، وأكْثَرَهُمْ مَالًا. وَكُلُّ قَوْمِهَا حَرِيصٌ عَلَى الزواج منها لَوْ قَدِرَ عَلَى ذَلِكَ، قَدْ طَلَبُوهَا وبَذَلُوا لَهَا الأَمْوَالَ. فأرْسَلَتْنِي سرًا إلى مُحَمَّدٍ ﷺ بَعْدَ أَنْ رَجَعَ في عِيرِهَا مِنَ الشَّامِ، فقُلْتُ: يا مُحَمَّدُ مَا يَمْنَعُكَ أَنْ تَتَزَوَّجَ؟ فقَالَ: مَا بِيَدِي مَا أَتَزَوَّجُ بهِ، قُلْتُ: فإنْ كُفِيتَ ذَلِكَ، ودُعِيتَ إلى الجَمَالِ، والمَالِ والشَّرَفِ، والكَفَاءَةِ ألَا تُجِيبُ؟ قَالَ: فَمَنْ هِيَ؟ قُلْتُ: خَدِيجَةُ، قَالَ: وكَيْفَ لِي بِذَلِكَ؟ قَالَتْ: قُلْتُ عَلَيَّ، قَالَ: فأنَا أفْعَلُ، قَالَتْ نَفِيسَةُ: فَذَهَبْتُ فأخْبَرْتُ خَدِيجَةَ، فأرْسَلَتْ إِلَيْهِ أنِ ائْتِ لِسَاعَةِ كذَا وكذَا، وأرْسَلَتْ إلى عَمِّهَا عَمْرِو بنِ أَسَدٍ لِيُزَوِّجَهَا، فَحَضَرَ، لِأَنَّ أبَاهَا مَاتَ قَبْلَ حَرْبِ الفِجَارِ.
خطبة أبي طالب وعقد الزواج
ثُمَّ إِنَّ رسُولَ اللَّه ﷺ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَعْمَامِهِ، فَأَقَرُّوا لَهُ ذَلِكَ، ورَضَوْهَا زَوْجَةً لَهُ ﷺ، فخَرَجَ مَعَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وعَمُّهُ حَمْزَةُ، حتَّى دَخَلُوا عَلَى عَمْرِو بنِ أَسَدٍ عَمِّ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَخَطَبُوا إِلَيْهِ ابْنَةَ أَخِيهِ. وحَضَرَ العَقْدَ رُؤَسَاءُ مُضَرَ، فقام أبو طالب خطيبًا في مجلس الزواج، فأشاد بمكارم أخلاق النبي ﷺ وفضله. وقال: “إن محمدًا بن عبد الله لا يُوزن برجل إلا رجح به شرفًا وعقلًا وفضلًا، وإن كان في المال قلّ، فإن المال ظلّ زائل وعارية مسترجعة”. وهكذا انعقد الزواج المبارك، فكَانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَوَّلَ امْرَأَةٍ تَزَوَّجَها رسُولُ اللَّهِ ﷺ، ولَمْ يَتَزَوَّجْ عَلَيْهَا غَيْرَهَا، حتَّى مَاتَتْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا. وكان عمر النبي ﷺ يومها خمسًا وعشرين سنة، بينما كان عمر خديجة رضي الله عنها أربعين سنة.
الحياة الزوجية المباركة
كانت حياة النبي ﷺ مع خديجة رضي الله عنها مثالًا في المودة والرحمة، فكانت نعم الزوجة المخلصة والرفيقة الوفية.. وهي التي ثبتت معه في أصعب اللحظات بعد نزول الوحي، وواسته بنفسها ومالها. عاش معها ﷺ قرابة خمسٍ وعشرين سنة لم يتزوج خلالها غيرها، وكانت له السكن والمصدر الأول للدعم النفسي والروحي.
أَوْلَادُ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا:
وَلَدَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْلَادَهُ جَمِيعًا عَدَا إِبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ ( هِيَ مَارِيَةُ بنتُ شَمْعُونَ أهْدَاهَا المُقَوْقِسُ صاحِبُ الإسْكَنْدَرِيَّةِ إلى رسول اللَّه ﷺ في سنة سبع من الهجرة،) القِبْطِيَّةَ.
وكَانَ أَوَّلُ مَنْ وُلدَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ خَدِيجَةَ قَبْلَ البِعْثَةِ: القَاسِمُ، وبِهِ يُكَنَّىﷺ (أبا القاسم)،ثُمَّ زَيْنَبُ , ثمَّ رُقَيَّةُ، ثمَّ أُمُّ كُلْثُومٍ ، ثمَّ فَاطِمَةُ ثُمَّ وُلِدَ لهُ فِي الإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُلَقَّبُ بالطَّيِّبِ والطَّاهِرِ؛ لأَنَّهُ وُلدَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أجْمَعِينَ.وقَدْ مَاتَ بَنُوهُ ﷺ وهُمْ صِغَارٌ، فَمَاتَ القَاسِمُ بَعْدَ أَنْ بَلَغَ سِنًّا تُمَكِّنُهُ مِنَ المَشْيِ، ، ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ وهُوَ طِفْلٌ صَغِيرٌ.
وَأَمَّا بَنَاتُ الرَّسُولِﷺ فَكُلّهُنَّ أَدْرَكْنَ الإِسْلَامَ، وأَسْلَمْنَ، وعِشْنَ حَتَّى تَزَوَّجْنَ وَكُلُّهُنَّ مِتْنَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ، مَا عَدَا فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، فَقَدْ تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ.
تَعْيِيرُ المُشْرِكِينَ بِانْقِطَاعِ نَسَبِ الرَّسُولِ ﷺ :
وَكَانَ المُشْرِكُونَ يُعَيِّرُونَ النَّبِيَّ ﷺ، بِانْقِطَاعِ أَثَرِهِ، لِوَفَاةِ أَوْلَادِهِ الذُّكُورِ. فَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: مَاتَ القَاسِمُ، وهُوَ أَوَّلُ مَيْتٍ مِنْ وَلَدِهِ ﷺ، بِمَكَّةَ ثُمَّ مَاتَ عَبْدُ اللَّهِ، فَقَالَ العَاصُ بنُ وَائِلٍ: لقدِ انْقَطَعَ وَلَدُهُ فَهوَ أَبْتَرُ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ} سورة الكوثر .. أي : إن مبغضك – يا محمد – ومبغض ما جئت به من الهدى والحق والبرهان الساطع والنور المبين ، هو الأبتر الأقل الأذل المنقطع ذكره.
قَالَ الدُّكْتُور مُحَمَّد أَبُو شَهْبَة رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: وقَدْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى -وَلَهُ الحِكْمَةُ البَالِغَةُ- أَنْ لَا يَعِيشَ لَهُﷺ أَحَدٌ مِنَ الذُّكُورِ، حَتَّى لا يَكُونَ ذَلِكَ مَدْعَاةً لِافْتِتَانِ بَعْضِ النَّاسِ بِهِمْ، وَادِّعَائِهِمْ لَهُمُ النُّبُوَّةَ. فَأَعْطَاهُ الذُّكُورَ تَكْميلًا لِفِطْرَتِهِ البَشَرِيَّةِ، وقَضَاءً لِحَاجَاتِ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ، وَلئَلَّا يَنْتَقِصَ النَّبِيَّ ﷺ في كَمَالِ رُجُولَتِهِ شَانِئٌ، أَوْ يَتَقَوَّلَ عَلَيْهِ مُتَقَوِّلٌ. ثُمَّ أَخَذَهُمْ فِي الصِّغَرِ، وأَيْضًا لِيَكُونَ فِي ذَلِكَ عَزَاءٌ وَسَلْوَى لِلذِينَ لا يُرْزَقُونَ البَنِينَ، أَوْ يُرْزَقُونَهُمْ ثُمَّ يَمُوتُونَ.كَمَا أَنَّهُ لَوْنٌ مِنْ أَلْوَانِ الِابْتِلَاءِ، وأشَدُّ النَّاسِ بَلَاءً الأَنْبِيَاءُ، فَالْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ.
خاتمة
حمل زواج النبي ﷺ من السيدة خديخة دلالات عميقة؛ فقد جمع بين أطهر الرجال وأفضل النساء. وكان نموذجًا للحياة الزوجية القائمة على الاحترام والثقة والدعم المتبادل. كما مثّل درسًا للأمة في أنّ معيار التفاضل ليس المال أو العمر، وإنما الخلق والدين. ومن بيت خديجة رضي الله عنها انطلقت الدعوة، وفي كنفها وجد النبي ﷺ السند والطمأنينة.
وبذلك ظل زواج النبي ﷺ من السيدة خديجة رضي الله عنها علامة فارقة في سيرته، ونموذجًا خالدًا للأسرة المسلمة التي تتأسس على القيم والمبادئ قبل أي اعتبار آخر.




