مقدمة
ما أجمل أن نبدأ رحلتنا مع نجوم الإسلام بمصعب بن عمير، أو مصعب الخير كما كانوا يطلقون عليه.ذلك الفتى الريان المدلَّل المُنعَّم، أجمل فتيان قريش وأوفاهم بهاءً وشبابًا.
يقول المؤرخون عنه إنه “كان أعطرَ أهل مكة”، تفوح منه رائحة العطر أينما ذهب، وكان حديث مجالس مكة ولؤلؤة ندواتها.

أيمكن أن يتحول هذا الفتى المدلل إلى أسطورة من أساطير الفداء والإيمان؟
سمع الفتى ذات يوم أحاديث قريش عن محمدٍ ﷺ وأصحابه، وعن هذا الدين الجديد الذي جاء به. إنه كلام يحرك العقول الذكية، ويخاطب الفطر السليمة النقية. وبدأ الصراع يدور في رأسه بين ما نشأ عليه وبين ما يدعو إليه هذا الدين من نور وهداية.
ولم يطل تردده كثيرًا، فقد علم أن النبي ﷺ يجتمع بأصحابه عند جبل الصفا في دار الأرقم بن أبي الأرقم. فذهب إلى هناك ليعرف بنفسه. وهناك كان رسول الله ﷺ يلتقي بأصحابه، يتلو عليهم القرآن ويصلي بهم.
لم يكد مصعب يجلس ليستمع إلى آيات الله حتى انشرح قلبه بنور الإسلام. فوضع رسول الله ﷺ يده على صدر مصعب ليهدأ قلبه المتوهج وتنزل عليه السكينة.
كان مصعب رغم صغر سنه يتمتع بحكمة ورجاحة عقل تفوق عمره، وبدأت رحلته مع الإيمان والجهاد.
مصعب في مواجهة أمه
كانت أمه خناس بنت مالك امرأة قوية ذات نفوذ وهيبة، يهابها الجميع. فلم يقدر مصعب على مواجهتها مباشرة، فاختار أن يكتم إسلامه. وظل يتردد على دار الأرقم ويجلس إلى رسول الله ﷺ متفاديًا غضبها.
لكن مكة في ذلك الزمان لم يكن فيها سر يخفى، فقد رآه عثمان بن طلحة يدخل سرًا إلى دار الأرقم ويصلي كصلاة محمد ﷺ. فأسرع يخبر أمه بالخبر الذي نزل عليها كالصاعقة.
وقف مصعب أمامها في ثباتٍ وهدوءٍ يتلو عليها آيات الله، رافضًا أن يتخلى عن دينه الجديد. فما كان منها إلا أن حبسته في البيت وأحكمت قيوده ومنعت عنه الطعام حتى يرجع عن دينه. لكنه ثبت صابرًا حتى وصله خبر هجرة المؤمنين إلى الحبشة.
فغافل أمه وحراسه وخرج مهاجرًا إلى الحبشة مع أصحابه، ومكث هناك حتى عادوا إلى مكة. حاولت أمه حبسه من جديد، لكنه لم يستجب لها، فقالت له غاضبة:
“لم أعد لك أمًا!”
فبكى مصعب واقترب منها وقال في رقة:
“يا أمه، إني لك ناصح وعليكِ شفيق، فاشهدي أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.”
فأجابته غاضبة:
“قسماً بالثواقب، لا أدخل في دينك فيُزري برأيي ويضعف عقلي!”
فانصرف عنها، وخرج من بيت النعمة والترف إلى حياة الزهد والجهاد.
من الترف إلى الجهاد
وهكذا خرج مصعب من النعمة الوارفة وأصبح الفتى المتأنق لا يرتدي إلا أخشن الثياب يأكل يومًا ويجوع يومًا. وتحول مصعب من حياة الترف والرفاهية إلى حياة الجهاد والصبر.
خرج يومًا على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأوه حنوا رؤوسهم وبكى الكثير منهم. لأنهم رأوه يرتدي جلبابًا مرقعًا باليًا ذلك الفتى الذي كان يرتدي أفخر الثياب وأغلاها باع ترف الدنيا ليشتري الآخرة.
فقال رسول الله ﷺ متأثرًا:
“لقد رأيت مصعبًا وما بمكة فتى أنعم عند أبويه منه، لقد ترك ذلك كله حبًا لله ورسوله.”
مصعب سفير الإسلام الأول
ومرت الأيام واختاره رسول الله ﷺ لأعظم مهمة أن يكون سفيرًا إلى المدينة ليُعلم الأنصار الذين أسلموا وبايعوا الرسول عند العقبة دينهم ويُعد المدينة للهجرة العظيمة.
كانت مهمة عظيمة اختار لها رسول الله “مصعب الخير “ كما كانوا يلقبونه، اختاره رسول اللهﷺ ليلقي إليه بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون دارًا للهجرة ومنطلق الدعوة الإسلامية للعالم. حمل مصعب الأمانة واستعان بما أنعم الله عليه من حكمة وعقل راجح وخلق كريم واستطاع أن يغزو قلوب أهل المدينة.
لما بعثه رسول الله إلى المدينة لم يكن فيها سوى اثني عشر مسلمًا. ولم يكد يمضي بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول. ولقد تعرض لمواقف عديدة أثناء دعوته كانت من الممكن أن تقضي على الدعوة لولا فطنته وحسن تصرفه.
مصعب في المدينة
لما ذهب مصعب للمدينة نزل في ضيافة أسعد بن زرارة. وأخذ يجتمع بأهل المدينة يدعوهم للإسلام برفق وحكمة، وذات يوم وهو جالس مع بعض أهل المدينة جاءه أسَيْد بن خضير سيد بني عبد الأشهل بالمدينة شاهرًا سيفه، يتوهج غضبًا على مصعب الذي جاء يفتن الناس ويخرجهم من دينهم ويدعوهم لهجر آلهتهم. فلما رآه المسلمون المجتمعون مع مصعب خافوا ولكن مصعب ظل ثابتًا هادئًا.
وقف أسيد أمامه قائلَا في غضب: “ ما جاء بكما إلى حيِّنا؟! تسفهان ضعفاءنا ! اعتزلانا إذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة!”.
فقال له مصعب في هدوء ” أولا تجلس فتسمع؟! فإن رضيت أمرنا قبلته، وإن كرهته كففنا عنك ما تكره “
كان أُسيد رجلا عاقلا حكيما فأجابه:”أنصفت“. وألقى حربته وجلس يسمع، ولم يكد مصعب يقرأ القرآن حتى انفرجت أسارير أسيد وانشرح صدره. ولما انتهى مصعب من القراءة والتفسير قال أسيد: “ما أحسن هذا القول وأصدقه كيف يصنع من أراد الدخول في هذا الدين؟”، فهلل الحاضرون في فرح وسعادة. وقال له مصعب:
” يطهر ثوبه وبدنه ويشهد ألا إله إلا الله ” ورجع أسيد إلى سعد بن معاذ وأخبره.
وأسلم سعد بن معاذ، ثم تلاه سعد بن عباده وتمت بإسلامهم النعمة، وأسلم أهل المدينة ودخلوا في دين الله أفواجا.
وقصة إسلام سعد سنقصها عند الحديث عنه في موضوع منفصل إن شاء الله.
لقد نجح أول سفراء الإسلام نجاحًا باهرًا، وجاء في موسم الحج التالي مع وفدٍ من سبعين مؤمنًا ومؤمنة ليبايعوا رسول الله ﷺ بيعة العقبة الكبرى.
⚔ مصعب في معركة أُحد
وتمضي الأيام ويهاجر الرسول ﷺ وأصحابه إلى المدينة، وتواصل قريش حقدها على المسلمين وتأتي غزوة بدر، وينتصر فيها المسلمون، ويُلقِّنون المشركين درسًا يفقدهم صوابهم، فيعودون للانتقام في غزوة أحد.
وتأتي غزوة أحد ويختار رسول الله ﷺ مصعب ليحمل لواء المعركة، وتشتد المعركة بين المسلمين والمشركين وينتصر المسلمون في بادئ الأمر، إلى أن يخالف الرماة أمر رسول الله ﷺ ويراهم قادة قريش وهم ينسحبون من مواقعهم فيعودون للقتال، وسرعان ما يتحول النصر إلى هزيمة وتنتشر الفوضى في صفوف المسلمين .
وأدرك مصعب الخطر الغادر فرفع اللواء عاليًا، وصاح فيهم ومضى يقاتل كالأسد يد تحمل اللواء ويد تحمل السيف. وكان هدفه أن يخطف أنظار المشركين بعيدًا عن رسول اللهﷺ لأنه كان شديد الشبه بالنبيﷺ.
وقد أصيب النبي في هذه المعركة إصابة بالغة حتى ظن المشركون أنه قد قٌتل وصاروا يصيحون أنهم قتلوا محمدًا. فلما سمع الصحابة هذا الكلام تأثر بعضهم فمر أنس بن النضر بقوم منهم ألقوا سيوفهم وانكسرت نفوسهم. فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: «قتل رسول الله ﷺ» فقال: «وما تصنعون بالحياة بعده؟. قوموا فموتوا على ما مات عليه».
وهبًَ مصعب رضي الله عنه يقاتل بكل ما أوتي من قوة، فتكاثر الأعداء حوله ولندع شاهد عيان يصف لنا مشهد النهاية في حياة مصعب.
مشهد النهاية
يقول ابن سعد: أخبرنا إبراهيم بن محمد بن شرحبيل عن أبيه قال :
“حمل مصعب بن عمير اللواء يوم أحد، فلما جال المسلمون ثبت به مصعب، فأقبل ابن قميئة على فرسه فضربه على يده اليمنى فقطعها، ومصعب يقول: ” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”. وأخذ اللواء بيده اليسرى وحنا عليه فضرب يده اليسرى فقطعها، فحنا على اللواء وضمه بعضديه إلى صدره وهو يقول: ” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”. ثم ضربه الثالثه بالرمح ووقع مصعب وسقط اللواء.
وقع مصعب بعد أن خاض قتال عظيم، وكان يعزي نفسه في رسول اللهﷺ من فرط حبه له يقول مع كل ضربة:” وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل”.
مشهد الوداع
انتهت المعركة المريرة، وجاء رسول الله ﷺ وأصحابه يتفقدون الشهداء.
وعند جثمان مصعب سالت دموع غزيرة.
قال خباب بن الأرت:
“هاجرنا مع رسول الله ﷺ في سبيل الله، منا من مضى ولم يأكل من أجره في الدنيا شيئًا، منهم مصعب بن عمير.
قُتل يوم أُحد، فلم يوجد له ما يُكفَّن فيه إلا نمرة، إذا وضعناها على رأسه تعرت قدماه، وإذا وضعناها على قدميه برزت رأسه، فقال لنا رسول الله ﷺ: اجعلوها على رأسه، واجعلوا على قدميه من نبات الإذخر.”
وعلى الرغم من مصاب رسول اللهﷺ في عمه حمزة رضي الله عنه يوم أحد وتمثيل المشركين بجثته، وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه، إلا أنه وقف عند مصعب بن عمير وقال:
” من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه “
ثم ألقى في أسى نظرة على بردته التي كفن فيها، وقال: ” لقد رأيتك بمكة وما بها أرق حُلَّة ولا أحسن لمة منك، ثم ها أنت ذا شعث الرأس في بردة “
وهتف رسول اللهﷺ وقد وسعت نظرته الحانية مصعب ورفاقه من شهداء المعركة، وقال: ” إن رسول الله يشهد أنكم الشهداء عند الله يوم القيامة “.
والتفت إلى أصحابه وقال:
“أيها الناس، زوروهم وأتوهم وسلموا عليهم، فوالذي نفسي بيده، لا يسلم عليهم مسلم إلى يوم القيامة إلا ردوا عليه السلام.”
السلام عليك يا مصعب الخير،
السلام عليكم يا معشر الشهداء.
رسالة من مصعب إلى شباب اليوم
لو عاد مصعب بن عمير اليوم ونظر إلى الدنيا من حولنا، لرأى وجوهًا تائهة تبحث عن معنى، وقلوبًا عطشى للثبات والإيمان، لكنه لابتسم وقال بصوتٍ هادئ:
“لقد كنت يومًا فتى أنعمَ الله عليه بالمال والجمال، فتركت كل ذلك لأجل ما هو أبقى، تركت عطايا الدنيا لأفوز برضوان الله.”
يا شباب اليوم…
تعلّموا من مصعب أن الإيمان لا يُقاس بما نملك، بل بما نُقدّم،
ولا يُثبت باللسان، بل بالموقف حين تُختبر القلوب.
كان مصعب يملك كل ما يُغري النفس، لكنه أدرك أن الكرامة في الطاعة، والعز في الثبات، والسعادة في القرب من الله.
تذكّروا أن مصعبًا لم يكن نبيًا ولا معصومًا، بل شاب مثلكم، حمل نور الإيمان بقلبه، فسار في طريقٍ صعبٍ، لكنه أوصل النور إلى مدينةٍ كاملةٍ، فكتب الله له الخلود في سجل العظماء.
فليكن في قلوبكم من إصراره نصيب،
ومن حبه لدينه قبس،
ومن صدقه مع الله عهد لا ينقطع.
فالدنيا زائلة، والخلود لمن صدق في العهد كما صدق مصعب الخير.
أحدث الموضوعات
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





