المقدمة:
تمرّ بالإنسان لحظات خوفٍ وقلقٍ من المجهول، وأحيانًا يُثقل قلبه التفكير في المستقبل أو الحذر من المصائب. كل إنسانٍ مرّ بلحظةٍ تساءل فيها: لماذا حدث هذا لي؟ لكن تأتي هذه الآية العظيمة لتغرس في القلب سكينةً لا تُشترى بثمن. وتعلّمه أن كل ما يصيبه لم يكن ليُخطئه، وأن كل ما فاته لم يكن ليصيبه.
﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ۚ هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51]

التأمل الأول: المعنى الإيماني العميق
قوله تعالى: “قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا” يحمل يقينًا بأن كل ما يجري في حياتنا من خيرٍ أو بلاء هو تقديرٌ إلهيٌ لحكمةٍ يعلمها الله.
لم يقل سبحانه “علينا”، بل قال “لنا”، كأنّ كل ما يُقدّره الله هو في النهاية لصالحنا، حتى وإن بدا مؤلمًا في لحظته.
إنه يقين المؤمن بأن ربه أرحم به من نفسه، وأن ما كُتب له هو الخير في صورة ما.
التأمل الثاني: كيف تصنع الآية الطمأنينة؟
حين يستقرّ هذا المعنى في القلب، يزول القلق من المستقبل، لأن المؤمن يعلم أن القدر بيد الله وحده، وليس بيد بشرٍ أو سببٍ من الأسباب.
فلا خوف من فقدٍ، ولا جزع من تأخير رزق، لأن الله هو المولى، وهو المدبر، وهو الرازق بيده الخير كله.
وهنا يصبح التوكل الحقيقي راحةً للقلب، وليس مجرد كلمة على اللسان بل شعورًا عميقًا بالأمان تحت ظل مشيئة الله.

التأمل الثالث: ثمرة التوكل
قال تعالى: “وعلى الله فليتوكل المؤمنون”، أي أن التوكل ليس ضعفًا أو استسلامًا، بل هو قوةٌ إيمانية تدفع الإنسان للأخذ بالأسباب مطمئنًا إلى أن النتيجة بيد الله.
فالمؤمن يعمل، ويسعى، ويخطط، لكنه لا يعلّق قلبه بالنتائج، بل يعلّقه برضا الله عن سعيه.
التوكل لا يعني التواكل
حينما خرج النبي ﷺ إلى بدر، لم يعتمد على القدر وحده، بل أعدّ العُدّة، واستشار أصحابه، ورتّب الصفوف، ثم قال في دعاء طويل:
“اللَّهُمَّ إنْ تُهْلِكْ هذِه العِصَابَةَ مِن أَهْلِ الإسْلَامِ لا تُعْبَدْ في الأرْضِ”
📚 [رواه مسلم (1763)]
جمع بين الأخذ بالأسباب والثقة التامة بالقدر. فكان النموذج الأكمل في تطبيق قوله تعالى:
“وعلى الله فليتوكل المؤمنون.”
التأمل الرابع: راحة اليقين — كيف تعيش هذه الآية اليوم؟
حين تخسر عملًا، أو يتأخر رزقك، أو يبتعد عنك أحد، فتذكّر أن ما تمرّ به ليس صدفة، بل هو مكتوب عند الله ومقدّر بحكمة. فلا تيأس، بل امضِ في طريقك ساعيًا، وتوكل على الله حق التوكل، فبين السعي والصبر تنزل الطمأنينة.
قال ﷺ:
“واعلَم أنَّ ما أصابَكَ لم يكُن ليُخطِئَك وما أخطأكَ لم يكُن ليُصيبَكَ” أخرجه الترمذي (2516)
كل ما يحدث لك مكتوب بدقةٍ ورحمةٍ سابقةٍ للزمان، فاسترح في ظله، واعمل بقلبٍ مطمئنٍ لا يجزع ولا ييأس.
خاتمة: حين يصبح الإيمان درعًا
الله لم يقل: لن تصيبكم المصائب، بل قال:
“لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا”.
فالمؤمن لا يُعفى من البلاء، لكنه يُعان عليه،
ولا يُمنع من الألم، لكنه يُرزق بالسكينة.
فإذا خفت، أو حزنت، أو تاهت بك الأيام،
فقلها من أعماقك كما كان يقولها النبي ﷺ وصحابته:
﴿ قُل لَّن يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا ۚ هُوَ مَوْلَانَا ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ ﴾ [التوبة: 51]
إنها دواءٌ للقلوب الخائفة، وسكينةٌ للنفوس القلقة.
حين ترددها بصدق، تشعر أنك في رعاية الله مهما اشتدت الأحداث، وأنك في معية من كتب لك الخير في كل حال.
دعاء من وحي الآية:
اللهم اجعلنا من المتوكلين عليك حق التوكل،
وارزقنا يقينًا لا تهزه المصائب،
ورضًا يملأ قلوبنا بما كتبت لنا.
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





