في زحمة الحياة وضغوطها، قد يغفل الإنسان عن تأمل بسيط لكنه عميق:
ما سر دوام النعم؟ ولماذا تختفي أحيانًا فجأة؟
يأتي الجواب الرباني واضحًا وجازمًا في آية عظيمة من كتاب الله عز وجل:
﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]
إنها دعوة من الله تعالى، لكل قلبٍ غفل ثم أراد أن يعود…
وعدٌ رباني صادق، لا يحتاج إلى شروط معقدة ولا أعمال شاقة،
فالشكر وحده مفتاح الزيادة… وسرّ دوام النعمة.

📖 معنى الشكر في التفسير
قال الإمام السعدي رحمه الله:
“الشكر هو اعتراف القلب بنعمة الله، والثناء بها باللسان، واستعمالها في طاعة المنعم.”
أما ابن كثير فقال:
“أي إن قمتم بشكر الله تعالى على ما أنعم به عليكم من نعم، لأزيدنكم من فضلي وبركتي.”
لكن بعض المفسرين أشاروا إلى معنىٍ أعمق، وهو أن الزيادة ليست فقط في المال أو الصحة،
بل في صفاء القلب، وبركة العمر، ودوام الطاعة، وطمأنينة الروح.
فالنعمة ليست فيما تملك، بل في شعورك بالرضا بها.
شكرٌ بالقلب قبل اللسان
الشكر الحقيقي ليس مجرد كلمة “الحمد لله” تُقال باللسان،
بل حالة يعيشها القلب في كل لحظة،
حين تنظر إلى ما عندك لا إلى ما نقص منك،
وحين تدرك أن كل ما في حياتك — حتى ما تظنه ألمًا — فيه خيرٌ لك من حيث لا تدري.
عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال :
“ما أنعم اللهُ على عبدٍ نعمةً فقال الحمدُ للهِ إلا كان الذي أعطاهُ أفضلَ مما أخذ”
(رواه ابن ماجه، وحسّنه الألباني)
والمقصود أن قول الحمد لله نفسه نعمة أعظم من النعمة الأولى،
لأن التوفيق للحمد هو عطاء من الله،
ومن حمد الله على نعمةٍ استحق نعمةً جديدة — وهكذا تتوالى النعم بالشكر.
وعد الزيادة
تأمل في قول الله تعالى: “لَأَزِيدَنَّكُمْ”
لم يقل: لأعطيكم، أو لأبدلكم، بل لأزيدنكم —
زيادةٌ مطلقة، لا حدّ لها، لا في الدنيا ولا في الآخرة.
قال بعض العلماء:
“من شكر على الطاعة زاده الله هدىً،
ومن شكر على المال زاده بركة،
ومن شكر على البلاء زاده ثباتًا،
فكل شكرٍ يورث زيادةً من جنسه أو أعظم منه.”
حفظ النعمة… وشكرها بالاعتدال
من علامات شكر النعمة أن تحافظ عليها، فلا تُهدرها ولا تزدريها.
فالذي يشكر الله بلسانه ثم يُسرف في ماله أو طعامه أو وقته،
كمن يشكر بيدٍ ويهدم باليد الأخرى.
قال الله تعالى:
﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾
[الإسراء: 26-27]
وقال تعالى أيضًا محذرًا من الغفلة بعد النعمة:
﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ﴾ [النحل: 112]
كم من نعمةٍ زالت حين أُهملت،
وكم من رزقٍ تبدّل حين أُسيءَ استخدامه!
فالشكر لا يكون بالاستهلاك المفرط،
بل بالتقدير، والتدبير، والاقتصاد، وصون النعمة من الضياع.
“فمن لم يصن النعمة بسياج الشكر، فقد عرّضها للزوال.”
فاحفظ ما بين يديك من نعم — مهما بدت صغيرة —
واستعملها في الخير، فإن الله وعد:
“لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ”
والزيادة لا تكون إلا لمن حفظ الأمانة، وقدّر العطية، وصدق في الشكر.
الشكر في البلاء قبل النعمة
الشكر ليس فقط عند الفرح،
بل أرقى درجاته حين تشكر وأنت في ابتلاء،
حين تقول: “الحمد لله” رغم الدمع،
لأنك تؤمن أن في البلاء عطاء، وفي المنع لطفًا خفيًا.
“كل نعمةٍ لا تُقرّب من الله فهي بلاء، وكل بلاءٍ يُقرّب من الله فهو نعمة.”
فربما نزع الله منك شيئًا كنت تظنه خيرًا،
ليمنحك ما هو أعظم: قلبًا شاكرًا.
لمسات من السيرة النبوية
كان النبي ﷺ شاكِرًا في كل حال،
يقوم الليل حتى تتورم قدماه،
فلما قيل له: يا رسول الله، قد غُفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر!
قال ﷺ:
“أفلا أكون عبدًا شكورًا؟”
(متفق عليه)
شكرٌ بالفعل لا بالقول،
وشكرٌ يُترجم إلى طاعةٍ وسجدةٍ ودمعةٍ في جوف الليل.
🌷 تأمل ختامي
قد تشكر بلسانك، فيعطيك الله رزقًا.
وقد تشكر بقلبك، فيعطيك سكينة.
وقد تشكر بعملك، فيفتح لك أبوابًا لم تدرِ بوجودها.
لكن أعظم الشكر أن ترى كل حالٍ قدره الله لك — نعمة تستحق الحمد.
فقل في كل صباح:
“الحمد لله على ما كان، وعلى ما هو كائن، وعلى ما سيكون،
فكلّه من فضل الله ورحمته.”
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





