المقدمة
في لحظات الضيق، حين تُغلق الأبواب في وجهك، ويثقل الهمّ قلبك، وتظل تبحث عن مخرج. وربما تطرق أبواب الناس، وتنسى أن هناك بابًا واحدًا لا يُغلق أبدًا…
باب الله.
وفي هذه اللحظة يأتي صوت القرآن يخاطب القلب:
﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾ [النجم: 58]
آية قصيرة، لكنها تُعيد ترتيب الإيمان في القلب، وتذكّر أن لا أحد يكشف الضر، ولا يرفع البلاء، ولا يبدل الحال إلا الله وحده.

المعنى العام للآية
قال المفسرون إن الآية تتحدث عن الآزفة أي القيامة، ولكن معناها عام، يدخل فيه كل كربٍ وشدةٍ وضيقٍ في الدنيا والآخرة، فكما لا أحد يكشف القيامة إلا الله، كذلك لا أحد يكشف الكروب إلا هو سبحانه.
قال الإمام الطبري:
“ليس يكشف ما نزل بهم من شدة وعذاب غير الله.”
📚 [تفسير الطبري، سورة النجم]
وقال ابن كثير:
“أي لا يقدر على إزالة شدتها وكشف أهوالها إلا الله تعالى وحده.”
📚 [تفسير ابن كثير، سورة النجم]
نور من السنة النبوية
جاء في حديث ابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال لابن عباس:
“احفظ الله يحفظك، احفظ الله تجده تجاهك، إذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله…”
📚 رواه الترمذي (2516)
هذا الحديث يُفسّر المعنى الإيماني للآية، فليس في الكون من يُعطي أو يمنع أو يكشف الضر إلا الله.
وما أجمل أن يُقرن المسلم هذه الآية بدعاء النبي ﷺ في الكرب:
“اللَّهمَّ رحمتَك أَرجو فلا تَكِلني إلى نَفسِي طرفةَ عينٍ ، وأصلِح لي شَأني كلَّه لا إلَه إلَّا أنتَ “
📚 رواه أبو داود (5090)
تأملات تلامس القلب
كل كربٍ بيد الله كشفُه
مهما كانت الشدة، أو طال الانتظار، فالله وحده يعلم وقت الفرج. كم من مريضٍ عجز الأطباء عن علاجه، فشفاه الله بدعوةٍ صادقة! وكم من مهمومٍ بات باكيًا، فأصبح منشرح الصدر بعد سجدةٍ خفية!. وكم من مدين بات مكروبًا فأصبح وقد وفقه الله لقضاء دينه.
الله يعلم دموعك قبل أن تنزل
هذه الآية تقول لك: لا أحد يراك كما يراك الله، ولا يسمع أنينك كما يسمعه هو. فحين تضيق بك السبل، لا تبحث عن “كاشف” سواه.
لا تُغلق الأبواب في وجهك ما دمت تلجأ إليه
كل ما دون الله موقّت، محدود القدرة. لكن الله يقول في آية أخرى:
﴿ أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ﴾ [النمل: 62]
وكأن القرآن يذكّرك: الذي كشف كرب يونس في بطن الحوت، قادرٌ أن يكشف همّك مهما اشتدّ.
من سيرة الأنبياء
في قصة يعقوب عليه السلام، حين فقد ابنه يوسف، لم يقل إلا:
﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ ﴾ [يوسف: 86]
فجاء الفرج بعد سنين من الصبر.
وفي قصة أيوب عليه السلام حين قال:
﴿ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ﴾ [الأنبياء: 83]
كشف الله ضره، وردّ عليه صحته وأهله.
هكذا تُخبرنا الآيات أن الكاشف هو الله وحده، مهما عظُم البلاء أو تأخر الأمل.
خاتمة: رسالة للقلوب القلقة
إذا شعرت بالعجز، فتذكّر هذه الكلمات الإلهية:
﴿ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ ﴾
هي ليست مجرد آية، بل عهد إيماني بأن الله أقرب إليك من نفسك، وأعلم بحالك.
فاستسلم له، وقل بيقين:
اللهم اكشف عني كل كرب، وقرّب إليّ كل خير، واجعل قلبي مطمئنًا بذكرك، راضيًا بقدرك.
اقرأ أيضا
- إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي… نورٌ يثبت القلب عند الابتلاء

- لماذا يتأخر الفرج؟ تأملات في سُنّة الله في الابتلاء

- لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ

- قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا

- لئن شكرتم لأزيدنكم.. سر دوام النعم وزيادتها

- أحصاه الله ونسوه… آية تُزلزل القلوب

- وهو معكم أينما كنتم

- فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا

- هل يستسلم المؤمن لشعور الحزن؟

- سفير الإسلام مصعب بن عمير

- الصبر… زاد المؤمن في رحلة الحياة

- فضل الصلاة على النبي محمد ﷺ





