الحلقة السابعة
وُلِد سيد الخلق النبي محمد ﷺ يوم الاثنين، الثاني عشر من ربيع الأول من عام الفيل، في شعب بني هاشم بمكة المكرمة، وهو التاريخ المشهور عند العلماء وقال بعضهم وٌلد في يوم التاسع من ربيع الأول . وقد رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ فَقَالَ: “فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ”
من حكم مولده ﷺ في شهر ربيع الأول أن اسمه مشتق من «الربيع» الذي يُشير إلى العدل والخير والنماء . كما أن شريعته ﷺ هي أعدل الشرائع.

العلامات التي صاحبت مولده ﷺ
ظهرت عدة علامات عند ولادته ﷺ، منها:
*خروج نور من أمّه أضَاءَتْ لَهَا مِنْهُ قُصُورُ الشَّامِ،
وتَخْصِيصُ الشَّامِ بِظُهُورِ نُورِهِ ﷺ إشَارَةٌ إِلَى اسْتِقْرَارِ دِيِنِهِ وَثُبُوتِهِ بِبِلَادِ الشَّام، ولِهَذَا تَكُونُ الشَّامُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ مَعْقِلًا لِلْإِسْلَامِ وأهْلِهِ، وبِهَا يَنْزِلُ عِيسَى ابنُ مَرْيَمَ عَليهِ السَّلامُ إِذَا نَزَلَ بِدِمَشْقَ بِالْمَنَارَةِ الشَّرْقِيَّةِ البَيْضَاءِ مِنْهَا .
* ظُهُورُ النَّجْمِ:
يروي حسان بن ثابت رضي الله عنه أنه عندما كان صغيرا في المدينة إذ سمع يهوديا ذات ليلة يصرح بأعلى صوته وينادي في يثرب: يا مَعْشَرَ يَهُودَ، حتَّى إِذَا اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ، قَالُوا لَهُ: وَيْلَكَ مَالَكَ؟ ، قَالَ: طَلَعَ اللَّيْلَةَ نَجْمُ أَحْمَدَ الذِي وُلِدَ بِهِ. وكان هذا النجم علامة ينتظرونها لظهور نبي آخر الزمان وكانوا ينتظرون خروجه منهم.
* وَقَعَ رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ:
رَوَى ابنُ حِبَّانَ في صَحِيحِهِ وابْنُ إسْحَاقَ في السِّيرَةِ أن آمِنَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُمِّ الرَّسُولِ ﷺ قَالَتْ: “. . . …ثُمَّ وَضَعْتُهُ، فَمَا وَقَعَ كَمَا يَقَعُ الصِّبْيَانُ، وَقَعَ وَاضِعًا يَدَهُ بِالْأَرْضِ، رَافِعًا رَأْسَهُ إِلَى السَّمَاءِ”. إلا أن بعض الروايات الأخرى مثل اهتزاز إيوان كسرى وخمود نار المجوس ضعيفة السند ولا تصح.
* فَرَحُ عَبْدِ المُطَّلِبِ بِوِلَادَةِ الرَّسُولِ ﷺ:
ولَمَّا وَضَعَتْهُ أُمُّهُ آمِنَةُ، أرْسَلَتْ إِلَى جَدِّهِ عَبْدِ المُطَّلِبِ تُخْبِرُهُ بِوِلادَةِ حَفِيدِهِ، فَفَرِحَ عبدُ المُطَّلِبِ بِحَفِيدِهِ ﷺ واسْتَبْشَرَ بِهِ ودخل به الكعبة وشكر الله ودعا له ..وأنشده العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه شعرًا يصف فيه إشراق الأرض ونورها بمولده ﷺ.
* خِتَانُ رسُولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمَ سَابِعِهِ وتَسْمِيَتُهُ مُحَمَّدًا:
وَلَمَّا كَانَ اليَومُ السَّابعُ مِنْ وِلادَتِهِ ﷺ خَتَنَهُ عَبْدُ المُطَّلِبِ عَلَى عَادَةِ العَرَبِ، وعَقَّ عَنْهُ بِكَبْشٍ، وجَعَلَ لَهُ مَأْدُبَةً، وسَمَّاهُ مُحَمَّدًا ﷺ ولَمْ يَكُنِ العَرَبُ يَأْلَفُونَ هَذَا الاِسْمَ،وسَأَلُوا عَبْدَ المُطَّلِبِ عنه فَأَجَابَهُمْ: أرَدْتُ أَنْ يٌحمد في السماء والأرض “أي يثني عليه من في السماء ومن في الأرض” . وروي أن سبب التسمية يرجع إلى ما سمعه عبد المطلب عن راهبٍ في الشام ذكر أن نبيًا سيخرج اسمه «محمد».
قَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ -رضي اللَّه عنه في ديوان له:
وَضَمَّ الْإِلَهُ اسْمَ النَّبِيِّ إِلَى اسْمِهِ … إِذَا قَالَ فِي الْخَمْسِ الْمُؤَذِّنُ أَشْهَدُ
وَشَقَّ لَهُ مِنِ اسْمِهِ لِيُجِلَّهُ … فَذُو الْعَرْشِ مَحْمُودٌ وهَذَا مُحَمَّدُ
رَضَاعُ النَّبِيِّ ﷺ
كَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أَرْضَعَتْهُ أمه آمنة أيامًا، ثم أرضعته ثويبة مولاة أبي لهب، قبل أن تقدم حليمة السعدية ..وكان النبي ﷺ وأبو سلمة” وهو ابنُ عَمَّةِ النبي” وحمزة بن عبد المطلب”عم النبي” إخوة من الرضاعة؛ لأنهم رضعوا جميعًا من ثويبة رضي الله عنها.
* اسْتِرْضَاعُهُ ﷺ في بَنِي سَعْدٍ:
ثُمَّ الْتَمَسَ عَبْدُ المُطَّلِبِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ المَرَاضِعَ عَلَى عَادَةِ أهْلِ مَكَّةَ الذِينَ كَانُوا يفضلون لأولادهم مرضعات من البادية وذلك لأسباب منها:
- ١ -أن ينشأ الطفل فصيح اللسان
- ٢ -لينشأ الطفل قوي البنية صلبا بعيدا عن التنعم .
- ٣ – ليكون الولد صافي الذهن
قَالَ الشَّيْخُ محمَّد الغَزَالِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: أن التنشئة في البادية تؤدي لتزكية الفطرة وإطلاق المواهب والأفكار وذلك لأن الطفل ينشأ في الطبيعة يستمتع بجوها الطلق.
* قِصَّةُ حَلِيمَةَ في اسْتِرْضَاعِهِ ﷺ:
خرجت حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية من قومها في بني سعد مع زوجها الحَارِث بنُ عَبْدِ العُزَّى، المُلقب بِأَبِي كَبْشَةَ مِنْ نَفْسِ القَبِيلَةِ. وابنها الرضيع إلى مكة، تلتمس رضيعًا تُرضِعه. وكان ذلك في سنة شديدة القحط والجفاف، حتى إن دابتها كانت هزيلة، وناقتها لا تدر لبنًا، وثديها لا يكفي ولدها، فكان يبكي طول الليل من الجوع .
وكانت عادة المرضعات أن يرضعن أولاد الأغنياء رجاء عطائهم، ولما عٌرض النبي على المرضعات رفضنه لأنه يتيم وكانوا يرجون العطاء من والد الطفل. فأخذت كل مرضعة طفلا إلا حليمة لم تجد فقالت لزوجها : «إني أكره أن أرجع بلا رضيع، فلآخذن هذا اليتيم»، فقَالَ: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ لَنَا فِيهِ بَرَكَةً
فذهبت إليه فأخذته فما إن أخذته ووضعته في حجرها، حتى امتلأ ثديها لبنًا، فشرب حتى ارتوى، وكذلك ابنها. ثم وجد زوجها ناقته قد امتلأ ضرعها، فحلب منها حتى شربا وشبعا، فكانت تلك أولى دلائل البركة.فلما أصبحا قال لها زوجها: تَعْلَمِي واللَّهِ يا حَلِيمَةُ، لَقَدْ أخَذْتِ نَسَمَةً مُبَارَكَةً، قالَتْ: واللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو ذَلِكَ
ثم لما عادت حليمة إلى قومها وجدوا دابتها أسرع الدواب، حتى قال النسوة: «أليست هذه أتانكِ التي خرجتِ عليها؟»، فقالت لَهُنَّ: بَلَى وَاللَّهِ، إنَّهَا لَهِيَ هِيَ، فَيَقُلْنَ: وَاللَّهِ إِنَّ لَهَا لَشَأْنًا.
ولما رجعوا لديارهم تحكي حليمة أن بلدهم كانت جدباء لا زرع فيه فكانت غنمها تذهب للرعي وتعود شبعى ممتلئة من اللبن، بينما غنم قومها جياع لا يجدون شيئًا يحلبونه، حتى صار الرعاة يُسرحون حيث تسرح غنم حليمة لعلها تُصيب البركة، فَهَذِهِ مِنْ بَرَكَةِ النَّبِيِّﷺ عَلَى حَلِيمَةَ السَّعْدِيَّةِ، وزَوْجِهَا الحَارِثِ
نشأ ﷺ في بني سعد يشبّ شبابًا أسرع من أقرانه، حتى بدا كأنه غلام ابن أربع سنوات قبل بلوغ السنتين. وكانت حليمة ترى فيه البركة والنمو العجيب.
فلما أتم ﷺ سنتين وفطمته، عادت به حليمة إلى مكة تزور أمه، ورجتها أن تدعه عندها قليلًا وقالت لَهَا: لَوْ تَرَكْتِ بُنَيَّ عِنْدِي حتَّى يَغْلَظَ ويقوى، فإنِّي أخْشَى عَلَيْهِ وَبَاءَ مَكَّةَ.تقول حَلِيمَةُ: فَلَمْ نَزَلْ بِهَا حتَّى رَدَّتْهُ مَعَنَا .وَهَكَذَا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إلى بَادِيَةِ بَنِي سَعْدٍ.
ولكن بعد ذلك وقعت حادثة جعلت حليمة تسرع برسول الله ترده إلى أمه بعد أن كانت أحرص الناس على بقائه معها فماذا حدث ؟ تابعونا بارك الله فيكم .




